شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

قول العلويين في: العلماء والعمل ! أليس من المؤسف المُخجل أن نَعُدّ الإنفلات من قيود الشرع والدين تقدّماً! وأن نحسب الخلاعة وهتك الستر تحرّراً! وأن نزعم أنّ ترك الأخلاق والوقار والحياء جموداً وانحطاطاً!..

©copyrights www.alawiyoun.com

... مواضيع مختلفة وأبحاث تستمد معانيها من آيات كتاب الله عز وجل ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تتضمّن المواعظ والنصح والهداية والإرشاد. 1

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ صدق الله العلي العظيم .
هذه الآية تُعلن أنّ العلماء2 هم الذين يخشون الله لا بل هم أشدّ الناس خشية من مقام الله وأكثرهم تعظيماً لمقام الله، ذلك لأنّ العلماء أكثر معرفة بالله وقدرته من غيرهم، وأوسع اطّلاعا وعبرة بقوّة الله ومشيئته في الأمم الغابرة والحاضرة.

غير أنّ هذه الصفات تنطبق على العلماء العاملين بعلمهم المُنتفعين بمعرفة الله تعالى. أمّا العُلماء الذين لا يعملون بعلمهم فلا يليق بهم هذا الوصف لأنّهم لا نفع لهم ولا فائدة، بل ربما كان علمهم ضررٌ عليهم وهلاكٌ لهم ولغيرهم من العالم، كمخترعي القنابل الذريّة والهيدروجينية وغيرها من أدوات الحرب والفتك والدمار، التي لا تصلح إلاّ للخراب ولا تُستعمل إلاّ للهلاك. فما لنا ولهؤلاء فمنزلة العلم كبيرةٌ، ورتبة العُلماء أكبر.

وغيرُ خافٍ على أحد أنّ الإقبال في هذه الأيّام على العلم أصبح كثيراً، إذ ما من بيتٍ في المدينة حتى ولا في القرية إلاّ وفيه مُتعلّمون أو طلاّب علم في طريقهم إلى مكانة العلماء. ولكن الذي لا يخفى على أحدٍ أيضاً أنّ الإقبال على العمل من هؤلاء جميعاً قليلٌ وقليلٌ جداً اللهم إلاّ الذي يأتي بالمادّة الدنياويّة كالوظيفة وغيرها.

والسبب في هذا على ما أظن لأنّه لا يوجد من يطلُبُ العِلمَ لغاية العلم أو -بعبارة أوضح- رغبةً في العلم. ولا من يطلب العمل لأجل الصالح العام أو النفع العام من العمل وإليكم الأمثال:

  • فمن ينتمي لكليّة الحقوق يُفكّر بالوظيفة وضخامة الراتب قبل أن يتخرّج من الكُليّة بدلاً من التفكير في الدفاع عن العاجز عن إيضاح حقّه أو في حماية حق المظلوم الضعيف.
  • ومن يتعلّم الطِبّ ينتظر بفارغ الصبر تدفّق الأموال وجمع الثروة الطائلة قبل أن يتخرّج من كليّة الطَبّ بدلاً من التفكير في إسعاف المرضى المُضطرّين أو معالجة الفقراء المُصابين.
  • ومن يتعلّم الصيدلة اشترى وباع بقصد الربح دون أن يُفكّر في تجربةٍ أو خبرةٍ عن تركيب الدواء أو تحسينه كما يفعل البقّال تماماً.
  • ومن ينتسب لأهلية التعليم يُفكّر في المرتبة والراتب لا في تقدّم البلاد علمياً ولا في مستقبل أبنائها، وسواءٌ عنده نجح الطلاّب أو رسبوا.
  • ومن تخرّج من كُليّة الهندسة ذهب يبحث عن التزام مشروعٍ أو تعبيدِ طريقٍ أو مواطئةٍ مع مُلتزمٍ بطريقةٍ تُغطّيها شهادته الفنيّة.
  • ومُتعلّم الكهرباء كالخيّاط يُفَصّل ويُرَكّب ولكنه لا يَغزل ولا يَنسج.

وعلى هذا النمط والطريق يسير الجميع ممّن ذكرنا وممّن لم نذكر من العلماء والمُتعلّمين.
هؤلاء كما يُقال، عُلماء الدنيا وأبناء الدنيا.

  أمّا علماء الدين!
وما أكثر الناس الذين يدّعون أنّهم من علماء الدين. فكل من أحسن صلاة وقتٍ أو قراءة رَدٍّ أو نقل رواية، أو حفظ حديث، أو تلاوة آية، عَدّ نفسه من علماء الدين، وفرض احترامه، وفسّر وأفتى، وطلب العمل بتفسيره وفتواه وإلاّ أقام الدنيا وأقعدها من الغضب والإنفعال، وكفّر من خالفه ورماه بالزندقة والمروق والخروج عن الدين، ولَعَلّي لا أقول تجنّياً ولا أظلم أبداً إذا قلتُ أنّه ينطبق على الأكثر قول الإمام الأعظم علي (ع) :
(بلى أصبت لِقنا غير مأمونٍ عليه، مُستعملاً آلة الدين للدنيا، مُستظهراً بنِعَمِ الله على عباده، أو بحُججه على أوليائه، أو منقاداً لحَمَلة الحق، لا بصيرة له في أحنائه، أو منهوماً باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مُغرماً بالجمع والإدّخار).
إلى قوله (ع) : (كذلك يموت العلم بموت حامليه).
ومعناه متى صارت هذه الصفات صفات علماء الدين عُدّوا مع الأموات ولو كانوا بين الأحياء، ومتى مات العمل بالعلم، مات العلم بموت العاملين.

ولعلّ الفئة القليلة التي استثناها الإمام عليه السلام بقوله: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحجّةٍ لئلاّ تبطُلُ حُجج الله وبيّناته، وكم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلّون عدداً.. إلخ).
لعلّ هذه الفئة المذكورة هي البقية الباقية في الأرض المغمورة -إذا كانت هنالك بقية مغمورة في الأرض.

ألا ينطبق على أكثر علماء الدين في هذه الأيّام قول السيد المسيح عليه السلام إذ قال للحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً، كشف الريح ثوبه عنه.
قالوا: نستره ونغطّيه.
قال: لا بل تكشفون عورته.
قالوا: سبحان الله ومن يفعل هذا؟!.
فقال: أحدكم يسمع الكلمة في أخيه فيُشيعها بأعظم منها.

هذا واقعنا وهذه حالتنا نحن رجال الدين أو علماء الدين كما يدّعيه البسطاء المغفّلون.

فهل تتّفق هذه الحالة أو ينطبق هذا الواقع على ما وصف الله به رجال الدين أو أهل العلم والإيمان بقوله سبحانه:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ .
أو على قول النبي ص وآله: (مَثل أخوين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى).
أين منّا ومن حالنا قول الإمام (ع) : (لا تحملنّ كلمة بدرت من أخيك مَحْمَلَ سوءٍ وأنت تجد لها إلى الخير سبيلاً).
أو قوله عليه السلام: (عليكم بالإخوان فإنّهم عدّة في الدنيا والآخرة).

هذه صفات الإخاء الصحيح وسيرة أهل العلم الحقيقي، وعلامة رجال الدين فينا: من توجد فيه هذه الصفات، أو تظهر عليه هذه العلامات، إلاّ النادر القليل! والقليل لا يُذكر كما يُقال.
هذه حالنا ونحن في عصر العلم والتقدّم لا في عصور الجهل والإنحطاط.

أما يجب علينا أن نتطوّر ونتقدّم كما تقدّم وتطوّر سوانا من العالم! فلقد تقدّم العالم في علوم الدنيا واستخرجوا كنوز الأرض، وتقدّموا في إزالة الفوارق وتحسين روابط الإخاء، وعملوا على إبطال كل ما من شأنه أن يُوجِدَ الشقاق أو الخلاف بين رجال الدين، ونزعوا الفوارق بين الكنيستين الغربية والشرقية، وزادوا على ذلك بأن أصدروا قراراً بتبرئة اليهود من دم المسيح، بالرغم من اعتقادهم بأنّ اليهود المجرمين ارتكبوا فعلاً هذه الجريمة النكراء.

كل هذا ونحن على ما نحن: مذاهب متعددة، وآراء مختلفة، وطوائف، وطبقات، وعشائر، وعائلات.
هذا نحن منذ ألف سنة ونيّف لم نتحرّك قيد أنملة، ولم تتزحزح بمقدار شبرٍ واحدٍ عن هذا الطريق: طريق المُهاترات والحسد والدس والأنانية.
ولعلّه يوجد من لا يرضيه هذا القول، ولا يروق له هذا البحث.
لعله يوجد من يقول: تعلمنا وتطوّرنا وتقدّمنا.. وهذا صحيح:
تقدّمنا شيوخاً وشباناً ونساءً وأطفالاً تقدّماً ملموساً محسوساً لا يُنكره إلاّ مُتحاملٌ أو مُتعصّب..

  • فالشيوخ تقدّموا بالأنانية والمنافسة والحسد والترفّع حتى عن أداء الواجبات وإقامة المفترضات، وأصبح واحدهم يتمشّى مع رغبات العامّة، والعامّة لا يرضيها إلا الأباطيل والدجل والتفرقة. ومن لم يفعل هذا يُقال عنه شيخٌ جامدٌ رجعيٌّ متأخّر ... إلخ.
  • وتقدّم الشباب فانخلعوا عن ربقة الدين، وتنكّروا للأنبياء وتعاليمهم، وللرسل ورسالاتهم، فلا جُمعة ولا جماعة ولا بحث ولا حديث. وليت الأمر يقف عند هذا الحد من التقدّم! ولكنه تجاوز إلى السخرية والإستهزاء بالصلاة والمُصَلّين، واحتقار الآباء، وازدراء الأقدمين. ومن لم يكن هكذا يُقال عنه : شابٌ جامدٌ ضعيفٌ متأخّرٌ... إلخ.
  • وتقدّم النساء واسترجلن وزاحمن الرجال بالمقعد والعمل والملبس والحديث، فالمرأة التقدّمية لم يرضها سفور وجهها وكفّيها وقدميها كما يُبيحه الشرع، حتى كشفت عن ساعديها وصدرها وكتفيها وعن ساقيها وفخذيها وقصّت شعرها ونتفت حاجبيها وأفرغت ما لا يعلمه إلاّ الراسخون في هذا العلم من الدهون والمساحيق عليها. ومن لم تكن هكذا يُقال عنها: إمرأةٌ رجعيّةٌ جاهلةٌ متأخّرة... إلخ.

هذا ما تقدّمنا به وهذا ما تعلّمناه، وهذا ما أخذناه عن الأجنبي المتطوّر المتقدّم.
أمّا الإختراع، وأمّا الصناعة، وأمّا المعامل، وأمّا التعاون، وأمّا الحجب وعدم مراقبة الناس والتفتيش عن عيوب الآخرين وغيره وغيره فنحن على ما نحن لا تقدّمنا ولا تطوّرنا ولا تعلّمنا.

قـارئي الكريـم المُنصـف ..

أليس من المؤسف المُخجل أن نَعُدّ الإنفلات من قيود الشرع والدين تقدّماً! وأن نحسب الخلاعة وهتك الستر تحرّراً! وأن نزعم أنّ ترك الأخلاق والوقار والحياء جموداً وانحطاطاً!..

  فيا أهل العلم، ويا علماء، ويا رجال الدين، ويا شيوخ الشعب، ويا قادة العامّة، أنتم قُدوة الشعب:
اعملوا بما تعلمون، وافعلوا ما تقولون، واحذروا قول الله سبحانه : ﴿ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ .

  ويا أيّها الشباب يا أمل المستقبل، يا حُماة الديار، ويا شيووخ الغد، تمسّكوا بالفضيلة، وتجمّلوا بالوقار، وحافظوا على الأخلاق، واحذروا قول الله : ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ .

  ويا أيتها النسوة تزيّنّ بالستر، وتسربلن بالعفاف والحياء، وحافظن على الغيب، فوالله ما لَبِسَت امرأةٌ أجملَ من الستر والعفاف والحياء، واعملن بقول الله: ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ .

فما أجمل التقدّم إذا كان التقدّم بالعلم النافع والعمل المُفيد.
وما أحسن التطوّر إذا كان التطوّر للألفة وللمحبة والإخاء.
وما أحسن الدنيا إذا اجتمعت مع الدين:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا   لا بارك الله في دنيا بلا دين

  وأخيــراً

نحن الآن في مواجهة عدوٍ طامعٍ، عدوٍ شرّيرٍ ماكرٍ، عدوٍ نجسٍ.
والنجاسة لا تُزال بالنجاسة، والقوّة لا تُدفع بالميوعة.
وإنّما يُدفع المائعُ بالصلب، وتُزال النجاسة بالطهارة، ويُدفع الشك باليقين، ويُمحق الإلحاد بالتوحيد، ويُزهق الباطل بالحق، ويُقمع الكفر بالإيمان.

هذا وأسأل الله الهداية لي ولكم ولسائر المؤمنين إنّه على كل شيء قدير.

  1. 1. نقلت هذه المقالة من كتاب "الفصول الأربعة" لفضيلة الشيخ المرحوم عبد الكريم علي حسن الخطيب من طرطوس -عفى الله عنه- والمنشور منذ سنة 1976 ميلادية.
    وهي بعنوان: العلماء والعمل. (أبو اسكندر)
  2. 2. وهذا موضوع: العلم والعلماء والعلوم من كتاب: منارة الرشاد إلى صحّة الإعتقاد(ج1). لمن أراد مزيداً من المعرفة. (أبو اسكندر)