شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

كيفيّة الجهاد وفضيلة الإسلام وغايته في الجهاد (لا يجيز الإسلام في الحرب قتل المرأة ولا الصبي ولا الشيخ العاجز ولا المُقعد ولا الأعمى ولا المعتوه.. ولا يُجيز المَثلة ولا التحريق ولا قطع الأشجار ولا هدم البناء، إلاّ إذا بدأ بذلك العدو)..

©copyrights www.alawiyoun.com

خطبة جمعة أُلقيت من منبر جامع الإمام علي عليه السلام في طرطوس في الستينيّات وهي بعنوان (الجهاد في سبيل الله). 1

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله..................... وبعد

  أيّها الأخوة المؤمنون:

  الدين الإسلامي، دين الحق والقوّة، ودين الرحمة والسلام، ورسوله الكريم، أرسله الله رحمة للعالمين، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ ولهذا لا يقصد المسلمون المجاهدون في جهادهم ما يقصده المستعمرون الطامعون في القديم ولا في الحديث في حربهم ولا في قتالهم.. فالإسلام، يستبعد من حسابه أن تقوم حرب، أو أن يتمّ فتحٌ بقصدِ سيادة عنصرٍ على عنصر، أو تغلُّبِ جنسٍ على جنسٍ، فالناس في عرف الإسلام سواء، جعلهم الله تعالى شعوباً وقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا لا ليستذلّ بعضهم رقاب بعض، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ .

  والإسلام يستبعد من حسابه الحرب أو الفتح بقصد جَرّ المَغانم، كالإرتباطات الإستعمارية التي تُخفي وراءها مطامع اقتصادية، كاستغلال الموارد واحتكار المواد الضرورية، تلك الحالات التي عانت البشرية وما تزال تعاني من ويلاتها والتي تقوم المطامع الغربية الراهنة على أساسها في هذه الأيام.

  والجهاد بالدين الإسلامي أوسع بكثير ممّا يتصوّرون وأبعد ممّا يظنون أو يزعمون، فكُل عملٍ تقوم به للصالح العام وسعادة المجتمع ابتغاءً لمرضاة الله لا تُريد به مغنماً أو مَكسباً في الحياة العاجلة، فهو في سبيل الله.
فإذا أنفقت ممّا رزقك الله في أوجه الخير والبِرّ، تريد أن تعود عليك تلك النفقة بشيء من المَنافع المادية أو غير المادية في هذه الدنيا، فليس ذلك من سبيل الله في شيء، أمّا إذا فعلتَ الخير مع أيّ إنسان في الأرض لا تريدُ به إلاّ ابتغاء مرضاة الله فذلك عملٌ يُعَدّ في سبيل الله، قال تعالى: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ ﴾ .

  ويُلاحظ أنّ الشارع الأعظم صلى الله عليه وآله قيّد الجهاد بهذا الشرط للدلالة على هذا المعنى، قال تعالى ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾ ، وقد وعد الله الذين يبتعدون عن التكبّر على الناس، وعن الفساد في الأرض، أن يجعل لهم الدار الآخرة، قال تعالى ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ﴾
  ويُروى أنّ أعرابياً قال للنبي صلى الله عليه وآله: الرجل يُقاتل للمَغنَم، والرجل يُقاتل للذِكر، والرجل يُقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟
قال صلى الله عليه وآله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله.

  فتبيّن من هذا: أنّ الله سبحانه لا يقبل من الجهاد إلاّ ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وأوّل آية نزلت تحمل الإذن الإلهي بالقتال هي قوله تعالى ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا الله ﴾ وزادت الآية التالية الأمر وضوحاً بوجوب الدفاع عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ﴾ ..

  ومن الواجب أن تكون دعوة الإسلام إلى الجهاد حينما يكون لا بُد منه دعوةً قويةً صادقةً عملاً بقوله تعالى ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ولكن يُشترط في ذلك خوف الفتنة، وأن يكون القتال في سبيل الله، قال تعالى ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ .
  وقد جعل الله للأنفس التي تُقتل والأموال التي تُصرف في القتال في سبيل الله ثمناً عظيماً، ألا وهو الجنة. قال تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ .

  ومن أجل هذا كان القتال في سبيل الله أحبّ شيء إلى رسول الله وأصحابه، قال صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل، لغدوةٍ في سبيل الله أو روحة خيرٍ من الدنيا وما فيها.
وسُئِل رسول الله: أيّ العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله.
قيل: ثم أيّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله.
قيل: ثم ماذا؟ قال: حجّ مبرور.

  ولكن لا بد قبل البدء بالقتال من إبلاغ الدعوة إلى المقاتلين وإنذارهم، وما قاتل رسول الله قوماً قطّ إلاّ دعاهم، وليس بعد قبول الدعوة عذرٌ للمسلمين بالقتال.
  أرسل رستم قائد جيش الفرس في القادسية إلى زهرة بن الحوية، قائد مقدمة المسلمين يعرض له بالصلح ويُذكره بماضي طائفة من العرب في سلطان الفرس. فوصف زهرة: الإسلام.
فقال رستم: وما هو الإسلام؟
فقال: أمّا عموده الذي لا يصلح منه شيء إلاّ به، فشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله.
قال رستم: ما أحسن هذا!! وأيّ شيء أيضا؟
قال زهرة: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله.
قال: حسنٌ، وأيّ شيء أيضاً؟
قال: والناس بنو آدم وحوّاء أخوة لأب وأم.
قال: وما أحسن هذا! ثم قال رستم: أرأيتَ لو أنّي رضيت بهذا الأمر، وأجبتكم إليه ومعي قومي كيف يكون أمركم؟؟ أترجعون؟
قال زهرة: أي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبداً إلاّ في تجارة أو حاجة.

  وفوق كل هذا إذا وقعت الحرب فللإسلام تعاليم عادلة في حالة الحرب: فهو لا يُجيز في الحرب قتل المرأة، ولا الصبي، ولا الشيخ العاجز، ولا المُقعد، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا يجوز قتل أصحاب الصوامع ولا الزرّاع ولا الصُنّاع الذين لا يُقاتلون، ولا يُجيز المَثلة، ولا التحريق، ولا قطع الأشجار، ولا هدم البناء، إلاّ إذا بدأ بذلك العدو نزولاً عند معاملة العدو بالمثل ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ .

  ولقد حث الإسلام على تكريم الأسرى عامّة، وجعل ذلك من البِرّ الذي هو علامة الإيمان: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ .

  والإسلام حريص كل الحرص على تحقيق السلم والطمأنينة للعالم فهو يطلب إلى المسلمين: أن يجنحوا للسلم إذا أراد المحاربون السلم وأن لا يتّبعوا خطوات الشيطان، قال تعالى ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ .

  هذه صورة مُصغّرة لأهمّ القواعد التي نظّم الإسلام علاقة المسلمين بغيرهم من الدول في أيّام الحرب، وفي كيفيّة الجهاد وفي سبيل الله عرضناها عليكم لتعلموا فضيلة الإسلام وغايته في الجهاد، وفقنا الله وإياكم إلى سواء السبيل.

  1. 1. نقلتُ هذه المقالة من كتاب ""الكَلِـــمُ الطيّــب" المطبوع سنة 1968م والذي يشتمل على خطب وبحوث إسلامية..
    وهو للمغفور له فضيلة الشيخ عبد الكريم علي حسن الخطيب -عفى الله عنه-. (أبو اسكندر)