شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

التّأْسِيْسُ عَلَى الأَوْهَام (1) [وَقَدْ جَعَلْتُهَا قَبْلَ التّنْبِيْهِ المُخَصّصِ بِأَوْهَامِ بَعْضِهِم فِي أَحْوَالِ المُسْلِمِيْنَ العَلَوِيّيْنَ، لِتَأْيِيْدِهِ بِالإِشَارَةِ إِلَى قِدَمِ التّوَهّمِ فِي التّأْلِيْفِ، وَالتّوهِيْمِ فِي النّقْدِ ....]

©copyrights www.alawiyoun.com

  أَشَارَ بَعْضُ المُحَقِّقِيْنَ إِلَى الوَهْمِ فِي نِسْبَةِ الكُتُبِ، وَخَفِيَ بَعْضُهَا عَلَى القُرَّاءِ، فَإِمَّا وَهْمٌ فِي شَرْحٍ، تَرَى لَهُ مُسْتَدْرِكًا أَوْ مُتَعَقِّبًا، وَإِمَّا وَهْمٌ فِي نِسْبَةِ كِتَابٍ، تَرَى لَهُ مُنَبِّهًا يُصَوِّبُهُ بَعْضٌ وَيُخَطِّئُهُ بَعْض .

  وَالوَهْمُ فِي الشَّرْحِ مِمَّا يُجْبَرُ عَظْمُهُ، وَيَزُوْلُ ضَرُّهُ، فَإِنْ تَصَفَّحَهُ مُحَقِّقٌ، فَكَتَبَ مُسْتَدْرِكًا أَوْ أَشَارَ مُنَبِّهًا، تَبَيَّنَ للطَّالِبِ الحَقُّ، وَبَقِيَ التَّنْبِيْهُ مُقَارِنًا للوَهْمِ ، مُذَكِّرًا بِالغَفْلَةِ، فَلا يَجْهَلُهُ إِلاَّ قَلِيْلُ اطِّلاعٍ .

  وَأَمَّا الوَهْمُ فِي عَزْوِ الكُتُبِ، فَهُوَ أَشَدُّ الأَوْهَامِ ضَرَرًا، وَأَبْقَى الأَخْطَاءِ أَثَرًا، وَأَعْجَبُ الأَوْهَامِ فِي وُقُوْعِهِ، وَأَعْظَمُ الأَسْبَابِ فِي نَتَائِجِهِ.

  • فَأَمَّا شِدَّةُ ضَرَرِهِ، فَفِي الحُكْمِ الّذِي يُبَتُّ وَفِيْهِ ظُلْمٌ سَنَّهُ الاِسْتِعْجَالُ، فَقَدْ يُحْكَمُ بِفَسَادِ دِيْنٍ لِوُقُوعِ خَطَأٍ فِي كِتَابٍ، أَوْ نِسْبَةِ قَوْلٍ مُحَرَّفٍ إِلَى مُؤَلِّفٍ، وَقَلَّ أَنْ تَرَى مُسْتَقْصِيًا يَجْتَهِدُ فِي تَحَقُّقِ الأُمُوْرِ، وَإِنْ كَانَ فِيْهَا تَكْفِيْرُ مُسْلِمٍ وَاتِّهَامُ بَرِيءٍ .
  • وَأَمّا بَقَاءُ آثَارِ الخَطَأِ، فَفِي اسْتِمْرَارِ التَّحَاكُمِ إِلَى مَا لَمْ يُحَقَّقْ، وَالاعْتِدَادِ بِمَا لَمْ يُتَيَقَّنْ، فَإِذَا أَخْطَأَ رَجُلٌ فِي نِسْبَةِ كِتَابٍ، اتَّبَعَهُ قَوْمٌ، مِنْهُم مَنْ يَلْزَمُ مَوْضِعَهُ، وَمِنْهُم مَنْ يَغْلُو فِي حُكْمِهِ، وَمِنْ هَؤلاءِ رُسُوخُ التُّهَمِ وَثُبُوْتُ الأَوْهَامِ .
  • وَأَمَّا كَوْنُهُ أَعْجَبَ الأَوْهَامِ، فَفِي سُهُوْلَةِ وُقُوْعِهِ وَغَفْلَةِ مُسَبِّبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِبْدَالَ اسْمٍ يُبْدِلُ تَارِيْخًا، وَتَغْيِيْرَ عُنْوَانٍ يُغَيِّرُ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ التَّوَارُثُ.
  • وَأَمّا عَظَمَتُهُ فِي نَتَائِجِهِ، فَهُوَ فِي جَعْلِ العَدَمِ وُجُوْدًا وَالمُغَفَّلِ فَطِنًا، وَصَرْفِ العُقُولِ إِلَى الخَيَالِ بَدَلاً مِنَ الحَقَائِقِ، وَجَذْبِ النُّفُوسِ عَنِ المُحَقَّقِ الرَّصِيْنِ، لِيَكُونَ التَّوَهُّمُ عِوَضًا مِنَ التَّحَقُّقِ، فَيَجْتَرئ عَلَى التّأْلِيْفِ مَنْ لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَيَدّعِي التّصْنِيْف مَنْ لا يَضْطَلِعُ بِه ، وَيَسْتَهِيْن العَاجِزُ بِجُهُودِ مَنْ سَبَقَهُ، وَيَسْتَخِفُّ المُتَقَحِّمُ بِشُرُوطِ الكِتَابَةِ .

  وَلَمْ يَزَلِ الكَلامُ عَلَى نِسْبَةِ الكُتُبِ دَأْبَ النُّقَّادِ، وَمُحَاوَرَتُهُم عَمَلاً تُسْتَطَابُ فَوَائِدُهُ، وَلا تَعْرَى الإِشَارَةُ إِلَيْهِ مِنْ تَمْتِيْنٍ لِمَا نَحْنُ بِصَدَدِ بَيَانِهِ.

  فَقَدْ شَكَّ قَوْمٌ فِي كُتُبٍ اسْتَيْقَنَهَا آَخَرُونَ، وَمَضَى عَلَى رَأْيِهِ نَاقِدٌ، وَرَدَّ مُتَعَقِّبٌ، وَتَوَقَّفَ فِيْهِمَا قَارئٌ، فَمَنْ وَهَّمَ مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلٍ طَعَنَ فِي عَزْوِهِ إِلَى قَائِلٍ، فَقَدْ نَفَى مَا نُسِبَ إِلَيْهِ ، وَمَنْ أَنْكَرَ نِسْبَةَ كِتَابٍ، لَمْ يَحْفِلْ بِالاِسْتِشْهَادِ بِهِ .

  وَمِنْ هُنَا وَقَعَ الاِخْتِلافُ، وَتَبَايَنَ الرَّأْيُ، وَمِنَ التّنَاقُضِ الّذِي تَشَعَّبَ مِنْ تَنَافُرِ الأَقْوَالِ وَتَفَرُّقِ الآرَاءِ، نَشَأَتْ حَيْرَةُ القُرَّاءِ وَعَلَتْ أَعْمِدَةُ الشُّبْهَةِ فِي بُيُوتِ الأَخْطَاءِ، فَمَا كَانَ خِبَاءً للحَقِيْقَةِ صَارَ بَيْتًا للظُّنُونِ، وَمَا كَانَ بَيْتًا لِتَدْقِيْقِ النَّظَرِ صَارَ مِظَلَّةً لِغِشَاوَةِ الأَوْهَامِ، وَمَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ قَلِيْل.

  وَقَدْ جَرَّ الوَهْمُ إِلَى تَوْثِيْقٍ، وَنَفَذَتْ كُتُبٌ لَمْ يُعْرَفْ أَصْحَابُهَا إِلَى مَا قُدِّرَ لَهَا مِنْ دَعْوى الصِّحَّةِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مَا لا يُحِيْطُ بِهِ إِلاَّ اللهُ، مِنْ طَاعِنٍ فِي نِسْبَةٍ، وَافَقَهُ قَوْمٌ وَخَالَفَهُ آخَرُونَ، فَمُعْتَمِدٌ عَلَى كِتَابٍ مَشْكُوكٍ فِيْهِ، وَشَاكٌّ فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ عَلَيْهِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُم مَذْهَبٌ فِي اليَقِيْنِ وَالشَّكِّ، وَطَرِيْقٌ إِلَى التّوْثِيْقِ وَالتَّضْعِيْفِ .

  وَمِمّا يُسْتَعْجَبُ مِنْ هَذِهِ، تَجَاهُلُ بَعْضِهِم قَدْحَ فِئَةٍ فِيْمَا نُسِبَ إِلَيْهَا، مَع شِدَّةِ إِنْكَارِهَا لَهُ ، وَالتّغَافُلُ عَنْ تَبَرُّؤِ مُتَّهَمٍ عَلَى الظَّنِّ مِمّا قُذِفَ بِهِ، وَإِضَاعَةُ التَّأْلِيْفِ وَابْتِغَاءُ التَّحْرِيْفِ، مَع دَعْوى الاِسْتِقْصَاءِ مِنْ أَجْلِ الإِنْصَافِ .

  وَيُجْزِئُكَ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ مِنْ أَمْثِلَةِ وِلادَةِ الأَوْهَامِ مِنْ سَهْوِ الأَقْلامِ، وَغَلَبَةِ التّصْحِيْفِ عَلَى قُوَى التّصْنِيْفِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الكُتَّابِ فِي تَقْلِيْدِ مَنْ لا يُحَقِّقُ، وَمُتَابَعَةِ مَنْ لا يُدَقِّقُ، وَفِي إِهْمَالِ بَعْضِهِم الإِشَارَةَ إِلَى حَالِ الكُتُبِ الّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فِي تَأْلِيْفٍ أَوْ تَحْقِيْقٍ، سَعَةُ بَيَانٍ لِمَا تَقَدَّمَ ، وَزِيَادَةُ اطْمِئْنَانٍ إِلَى اعْتِدَالِ هَذَا المِيْزَان .

  فَقَدْ تَكَلّمَ السّابِقُونَ فِي كُتُبٍ تُعَدُّ مِنْ أُصُولِ العِلْمِ الّذِي أُلِّفَتْ فِيْهِ، وَلَمّا يَتَّفِقُوا عَلَى قَوْلٍ، وَبَنَى بَعْضُهُم مُؤَلّفَاتٍ عَلَى كُتُبٍ لَمْ تُحَقَّقْ صِحّتُهَا وَلَمْ تَثْبُتْ نِسْبَتُهَا، فَوَقَعَ الوَهْمُ عَلَى الوَهْمِ، وَآزَرَ الظَّنُّ الظَّنَّ، وَقَوَّى الوَهْنُ الوَهْنَ، وَأَيَّدَ الأَقْطَعُ مَكْسُورَ اليَدَيْن .

  وَلا أَقَلّ مِنْ جَوَازِ القَولِ : هَذَا يَنُوبُ عَنّي، وَهَذَا لا يَنُوبُ، تَبَعًا لِمَنْ يَثِقُ القَارِئُ بِصِحّةِ قَوْلِهِ، وَفِي تَأَمُّلِ هَذَا الفَنِّ مَا يَجْعَلُ القَارِئَ مُتَوَقِّفًا فِي كَثِيْرٍ، وَمُتَرَدِّدًا بَيْنَ الشَّكِّ وَاليَقِيْنِ، عَلَى أَنّ ذَلِكَ مِنْ مَنَافِعِ التّفَكُّرِ المَمْدُوْحِ، وَلا بُدَّ لِمَنْ يُشِيْرُ إِلَى الوَهْمِ فِي نِسْبَةِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ أَمْثِلَةً لِذَلِكَ ، فَيَكُون أَقْرَب إِلَى الصِّدْقِ فِي قَوْلِهِ .

  وَهَذِهِ لَمْحَةٌ إِلَى بَعْضِ مَا يُقَالُ فِي نِسْبَةِ الكُتُبِ، ثُمّ إِلَى أَوْهَامِ المُؤَلّفِيْنَ فِيْمَا يَنْسُبُونَ ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا قَبْلَ التّنْبِيْهِ المُخَصّصِ بِأَوْهَامِ بَعْضِهِم فِي أَحْوَالِ المُسْلِمِيْنَ العَلَوِيّيْنَ، لِتَأْيِيْدِهِ بِالإِشَارَةِ إِلَى قِدَمِ التّوَهّمِ فِي التّأْلِيْفِ، وَالتّوهِيْمِ فِي النّقْدِ وَالاِسْتِدْرَاكِ .

---- يتبع ----

<<<<<<القارئ الكريم تابع قراءة: [ التّأْسِيْسُ عَلَى الأَوْهَام (2) ] ثم [ التّأْسِيْسُ عَلَى الأَوْهَام (3) ] >>>>>>