شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

المُرَافَعَةُ فِي بَرَاءَةِ النَّقْدِ تَعْقِيْبٌ عَلَى رِسَالَةِ الدّكتور أحمد عِمْران الزّاوي ( فقرات دفاع توضيحية ) كَتَبَهَا تَمّام أَحْمَد.

©copyrights www.alawiyoun.com
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم

  أُسْتَاذَنَا الكَبِيْرَ وَأَخَانَا الأَكْبَرَ. الدّكتور أَحمد عِمْران الزّاوي.
  السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.
  أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الحُبَّ يَقْتَضِي الطَّاعَةَ ( إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيْعُ ).
  لَقَدْ كَانَ فِي نِدَائِكَ المُرْتَجَلِ عَلَى مَا قَرَأْتُ مِنْ قَولِكَ حِيْنَ كُرِّمْتَ:
  (( نِدَاءٌ أُوَجِّهُهُ مِنْ عَلَى هَذَا المِنْبَرِ الثَّقَافِيِّ إِلَى مَنْ تَسَبَّبَتْ بَعْضُ إِصْدَارَاتِي لَهُ بِبَعْضِ الارْتِبَاكِ أَو المَلَلِ، رَاجِيًا مِنْ جَمِيْعِ حَمَلَةِ الأَقْلامِ أَنْ يَنْقُدُوا مَا يَجِدُونَهُ مُنَافِيًا للحَقِيْقَةِ العِلْمِيَّةِ أَو التّارِيْخِيّةِ، فَلَهُم مِنِّي تَفْوِيْضٌ مَشْكُورٌ فِي أَنْ يُصَحِّحُوا مَا يَرَونَهُ خَطأً، وَيُفَصِّلُوا مَا يَجِدُونَهُ مُجْمَلاً، وَيُوْضِحُوا مَا يَرَونَهُ غَامِضًا، فَفِي ذَلِكَ فَائِدَةٌ لِي وَللآخَرِيْنَ.
وَإِذْ ذَاكَ أَكُونُ مَدِيْنًا لَهُ بِالشُّكْرِ وَعِرْفَانِ الجَمِيْل ))
1
  مَا رَغَّبَنَا فِي إِجَابَةِ رَجَائِكَ، وَالعَمَلِ بِتَفْوِيْضِكَ، فَمَا قُلْتُ إِلاَّ لِمَا فَوَّضْتَ، وَمَا أَعْرَضْتُ عَنْ نِدَائِكَ سَامِعًا وَلا عَنْ رَجَائِكَ كَاتِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَولِي شَيءٌ مِنَ الفَائِدَةِ.
  كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّكَ رَأَيْتَ رَأْيًا، وَرَأَيْنَا غَيْرَهُ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ مِنَ العِلْمِ وَالفَضْلِ، وَأَنَا عَلَى مَا أَنَا مِنَ القُصُورِ وَالجَهْلِ.
  عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَصَابَكَ ضَرَرٌ مِمَّا كَتَبْتُ، فَأَظُنُّ أَنَّنِي بَرِيءٌ مِنْ تَبِعَةِ ذَلِكَ؛ لأَنَّكَ فَوَّضْتَ إِلَيْنَا تَفْوِيْضًا أَشْكُرُكَ عَلَيْهِ كَمَا شَكَرْتَ، وَبِهِ جَعَلْتَ لَنَا التَّصَرُّفَ فِيْمَا كَتَبْتَ، أَنْ نَنْقُدَ وَنُصَحِّحَ وَنُفَصِّلَ وَنُوْضِحَ، فَحَقَّ لَنَا النَّقْدُ، فَتَصَرَّفْنَا فِيْهِ بِأَمْرِكَ، وَكَتَبْنَا بَعْدَ إِذْنِكَ، غَيْرَ مُقَيَّدٍ إِلاَّ بِمَا نَجِدُ وَنَرَى.
  وَعَلَى مَا قَرَأْنَا: (( مَنِ اسْتَعْمَلَ حَقَّهُ اسْتِعْمَالاً مَشْرُوعًا، لا يَكُونُ مَسْؤولاً عَمَّا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ ضَرَرٍ )) 2

  فَهَلْ تَأْذَنُ لِي أُخْرَى أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ كَمَا أَذِنْتَ فِي الأُوْلَى وَفَوَّضْتَ مَشْكُورًا مُكَرَّمًا بِمَا أُوْتِيْتَ مِنَ التَّوَاضُعِ وَالحِلْمِ.
  أَنَا فِي سُرُورٍ مِنِ اثْنَتَيْنِ، لا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أَعْظَمُ حَظًّا، أَلأَنَّكَ قَرَأْتَ مَا كَتَبْتُ، أَمْ لأَنَّكَ أَكْرَمْتَنِي بِرِسَالَتِكَ الّتِي أَرْسَلْتَ مُدَافِعًا مُوَضِّحًا، وَمَا لِي مِنَ القَدْرِ مَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلا مِنَ الأَدَبِ مَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلا مِنَ النَّقْدِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْ أَمْثَالِكَ وَقْتًا فِي قِرَاءَتِهِ.
  فَتَفَضَّلْ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ بِقَبُولِ هَذَا التَّعْقِيْبِ كَمَا تَفَضَّلْتَ فِي الإِحْسَانِ إِلَيْنَا بِمَا كَتَبْتَ مُبَيِّنًا، فَإِنَّ مِنْ طَبْعِكَ الإِحْسَانَ، وَحَسْبُ مَنْ أَحْسَنَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة البقرة]

  جَاءَ فِي كِتَابِكُم العَدل الإِلَهِيّ وَالتَّنَاسُخ:
  (( أن فعل "وفّى" الذي انبثقت عنه مشتقات من الأسماء وظروف الأفعال بلغت ستين ونيفاً في آيات القرآن ـ لم ترد في أية منها كلمة " وفاة " للدلالة بذاتها على "الموت".)) 3

  فَتَعَجَّبْتُ مِنْ نَفْيِكَ هَذَا، فَقُلْتُ: عَجِيْبٌ مَا أَوْرَدَهُ المُؤَلِّفُ، وَقَدْ قَال تَعَالَى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [سورة البقرة].
  أَلَيْسَتِ الوَفَاةُ فِي هَذِه الآيَة هِي الموتُ عَيْنُهُ ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمَا المُرَادُ مِنْهَا ؟
فَجَاءَ تَوْضِيْحُكَ فِي رِسَالَتِكَ هَذِهِ أَنَّ (( الوَفَاة جَاءَت فِعْلاً مَبْنِيًّا عَلَى المَجْهُولِ، أَي: فَعَلَهُ فَاعِلٌ غَيْرُ مَوْجُودٍ اسْمُهُ فِي الآيَةِ، إِذْ لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ الوَفَاةِ هُوَ الوَفَاةُ. أَي: لا تُوَفِّي الوَفَاةُ نَفْسَهَا، بَلِ الّذِي يَقُومُ مَنْ أَوْكَلَهُ اللهُ وَهُوَ مَلَكُ المَوتِ.)) 4
  وَهَذَا يَا سَيِّدِي إِذَا تَفَضَّلْتَ عَلَى كَاتِبِ هَذِهِ السُّطُورِ، لا يُؤَيِّدُ رَأْيَكَ فِي أَنَّ الوَفَاةَ غَيْرُ المَوتِ؛ وَذَلِكَ لأَنَّ بِنَاءَ الفِعْلِ للمَجْهُولِ لا يَسْلُبُ الفَاعِلَ الحَقِيْقِيَّ فِعْلَهُ، وَلا يَنْسُبُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُحْذَفُ الفَاعِلُ لأَغْرَاضٍ بَلاغِيَّةٍ، مِنْهَا مَا يَكُونُ تَعْظِيْمًا وَمِنْهَا مَا يَكُونُ تَصْغِيْرًا، وَلَكِنَّهُ لا يُغَيِّرُ شَيئًا مِنَ المَعْنَى، فَقَدْ (( تَكُونُ للجَهْلِ بِالفَاعِلِ، وَقَدْ تَكُونُ للإِيْجَازِ وَالاخْتِصَارِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ )) عَلَى مَا عَلِمْتَ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.5
  فَإِنَّ قَولَنَا: تُوُفِّي فُلانٌ، لا يَخْتَلِفُ فِي النَّتِيْجَةِ عَنْ قَولِنَا: تَوَفَّى اللهُ فُلانًا وَذَلِكَ لأَنَّ المُتَوَفِّيَ فِي الحَالَيْنِ هُوَ الخَالِقُ، وَالمُتَوَفَّى فِي الحَالَيْنِ هُوَ المَخْلُوقُ، هَذَا اسْمُ فَاعِلٍ، وَهَذَا اسْمُ مَفْعُولٍ، وَلا يَقْتَضِي بِنَاءُ الفِعْلِ للمَجْهُولِ إِلْغَاءَ الفَاعِلِ، وَإِنَّمَا تَغْيِيْبُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ صَرَاحَةً.
  فَالنَّتِيْجَةُ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ هِيَ النَّتِيْجَةُ نَفْسُهَا مِنْ قَولِهِ ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [ سورة السجدة]
فَالّذِيْنَ يُتَوَفَّونَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِهِم حِيْنَ اسْتِكْمَالِ آجَالِهِم، هُم الّذِيْنَ يَتَوَفَّاهُمُ اللهُ، سَوَاءٌ أَنُسِبَ الفِعْلُ إِلَى الرُّسُلِ أَمْ إِلَى المَلائِكَةِ.

  عَلَى أَنَّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ مَعْنىً يُحَدِّدُهُ السِّيَاقُ، وَالفَرْقُ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ أَنَّ التَّوفِيَةَ دَالَّةٌ عَلَى الإِكْمَالِ وَالإِتْمَامِ فِي الأَصْلِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي مَقَايِيْسِ اللُّغَةِ: (( الوَاو وَالفَاءُ وَالحَرْفُ المُعْتَلُّ: كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِكْمَالٍ وَإِتْمَامٍ... وَمِنْهُ يُقَالُ للمَيِّتِ: تَوَفَّاهُ اللهُ. )) 6
  وَالمَوتَ دَالٌّ عَلَى السُّكُونِ وَذَهَابِ القُوَّةِ، عَلَى مَا فِي مَقَايِيْسِ اللُّغَةِ:
(( المِيْمُ وَالوَاو وَالتَّاءُ: أَصْلٌ صَحِيْحٌ يَدُلُّ عَلَى ذَهَابِ القُوَّةِ مِنَ الشَّيءِ، مِنْهُ المَوتُ: خِلافُ الحَيَاةِ..)) 7
  فَاسْتِعْمَالُهُمَا أَو أَحَدِهِمَا عَلَى مَعَانٍ شَتَّى: كَالجَهْلِ، وَالنَّومِ، وَالفَقْرِ، وَالحُزْنِ، وَالمَعْصِيَةِ، وَزَوَالِ القُوَّةِ النَّامِيَةِ، أَو القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ، بِحَسَبِ أَنْوَاعِ الحَيَاةِ 8 ، أَمْرٌ لا نُنْكِرُهُ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّ نَفْيَهُ بِنَفْيِ وُرُودِ كَلِمَةِ (الوَفَاة) بِمَعْنَى قَبْضِ الرُّوْحِ، أَمْرٌ لا نَرَاهُ صَوَابًا.
  وَذَلِكَ لأَنَّ مَحَلَّ الاخْتِلافِ هُوَ التَّعْمِيْمُ فِي عَدَمِ وُرُودِ كَلِمَةِ ( وَفَاة) فِي القُرْآنِ للدَّلالَةِ عَلَى المَوتِ، وَلَيْسَ فِي جَوَازِ مَجِيْئِهَا عَلَى مَعَانٍ شَتَّى.
  وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [ سورة البقرة]
  مِنْ تَرَبُّصِ أَزْوَاجِ المُتَوَفَّيْنَ عَلَى مَا عُرِفَ بِعِدَّةِ المَرْأةِ، يَقْتَضِي وُرُودَ هَذِهِ الكَلِمَةِ بِمَعْنَى المَوتِ؛ لأَنَّهَا تُبَيِّنُ الوَاجِبَ عَلَى المَرْأةِ بَعْدَ مَوتِ زَوْجِهَا، فَلا تُحْمَلُ فِيْمَا أَعْلَمُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
  وَالنَّتِيْجَةُ عَلَى هَذَا المَعْنَى سُكُونُ البَدَنِ وَذَهَابُ قُوَّةِ حَرَكَتِهِ، فَالمُتَوَفَّى وَالمَيِّتُ عَلَى هَذَا شَيءٌ وَاحِدٌ، كَائِنٌ كَانَ حَيًّا مُتَحَرِّكًا، فَصَارَ سَاكِنًا هَامِدًا، عَلَى أَيِّ تَعْبِيْرٍ عَنْ حَالِهِ هَذِهِ، فَلَيْسَ المَيِّتُ بِفَاعِلٍ، أَي: بِقَابِضٍ وَلا بِبَاسِطٍ، وَلا هُوَ مَنْ قَبْضَ نَفْسَهُ، حَتَّى لَو قَتَلَ نَفْسَهُ، فَسَوَاءٌ أَقُلْنَا فِي وَصْفِهِ: مَاتَ فُلانٌ، أَو تُوُفِّي فُلانٌ، أَو تَوَفَّى اللهُ فُلانًا، فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الجُمَلِ نِسْبَةُ فِعْلِ الإِمَاتَةِ وَالقَبْضِ للمَيِّتِ المُتَوَفَّى، سَوَاءٌ أَبُنِيَ الفِعْلُ للمَجْهُولِ أَمْ لَمْ يُبْنَ.
  وَلا يَقْتَضِي بِنَاءُ الفِعْلِ للمَجْهُولِ وَإِقَامَةُ المَفْعُولِ بِهِ نَائِبًا عَنِ الفَاعِلِ، شَيئًا مِنْ نِسْبَةِ الفِعْلِ إِلَى المَفْعُولِ بِهِ؛ لأَنَّهَا إِقَامَةٌ لَفْظِيَّةٌ لَيْسَ لَهَا حَقِيْقَةٌ، وَلَيْسَتْ فِي جَمِيْعِ المَوَاضِعِ دَالَّةً عَلَى أَنَّ الفَاعِلَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، وَذَلِكَ لِمَا يَقْتَضِيْهِ وُقُوعُ الفِعْلِ مِنْ وُجُودِ الفَاعِلِ، سَوَاءٌ أَذُكِرَ أَمْ لَمْ يُذْكَرْ.
  فَإِذَا قُلْنَا: تُوُفِّي فُلانٌ، لَمْ يَكُنْ فِي حَذْفِ الفَاعِلِ مَا يَقْتَضِي إِسْنَادَ الفِعْلِ إِلَى المُتَوَفَّى إِلاَّ لَفْظًا، وَلَيْسَ فِي تَحْرِيْكِهِ بِالرَّفْعِ مَا يَقْتَضِي نِيَابَتَهُ عَنِ الفَاعِلِ فِي الحَقِيْقَةِ، وَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْهُ بِاللَّفْظِ، وَلِذَلِكَ ضُمَّ أَوَّلُهُ وَكُسِرَ مَا قَبْلَ آخِرِهِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وَمِنْهُ فِي أَسْرَارِ العَرَبِيَّةِ:
  (( كَيْفَ يُقَامُ المَفْعُولُ مَقَامَ الفَاعِلِ وَهُوَ ضِدُّهُ فِي المَعْنَى ؟
  قِيْلَ: هَذَا غَيْرُ غَرِيْبٍ فِي الاسْتِعْمَالِ، فَإِنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُقَالَ (( مَاتَ زَيْدٌ )) وَسُمِّيَ زَيْدُ فَاعِلاً، وَلَمْ يُحْدِثْ بِنَفْسِهِ المَوتَ، وَهُوَ مَفْعُولٌ فِي المَعْنَى، جَازَ أَنْ يُقَامَ المَفْعُولُ هَاهُنَا مَقَامَ الفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ مَفْعُولاً فِي المَعْنَى..))
9

  وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ فَاعِلاً فِي الحَقِيْقَةِ، فَفِي كِتَاب عِلَل النّحْو:
(( إِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ وَجَبَ إِذَا حُذِفَ الفَاعِلُ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ اسْمٌ مَرْفُوعٌ ؟
فَالجَوَابُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الفِعْلَ لا يَخْلُو مِنْ فَاعِلٍ، فَلَمَّا حَذَفَ فَاعِلَهُ عَلَى الحَقِيْقَةِ، اسْتَقْبَحَ أَنْ يَخْلُوَ مِنْ لَفْظِ الفَاعِلِ، فَلِهَذَا وَجَبَ أَنْ يُقِيْمَ مَقَامَ اسْمِ الفَاعِلِ اسْمًا مَرْفُوعًا، أَلا تَرَى أَنَّهُم قَالُوا: مَاتَ زَيْدٌ، وَسَقَطَ الحَائِطُ، فَرَفَعُوا هَذِهِ الأَسْمَاءَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاعِلَةً فِي الحَقِيْقَةِ...))
10

  وَلَيْسَ للاسْتِدْلالِ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ، بِمَا جَاءَ فِي مَعَاجِمِ العَرَبِيَّةِ مِنْ قُوَّةِ الدَّلِيْلِ بِقَدْرِ مَا يَمْنَعُ مِنْ رَدِّهِ مِنَ المَعَاجِمِ نَفْسِهَا، فَالوَفَاةُ فِيْهَا هِيَ المَنِيَّةُ، وَالمَوتُ، وَقَبْضُ النَّفْسِ، وَقَبْضُ الرُّوحِ، وَلَيْسَ لَهَا مِنْ كَثْرَةِ المَعَانِي مَا يُخْرِجُهَا عَنِ الإِكْمَالِ وَالإِتْمَامِ، فَإِمَّا أَخَذَ وَافِيًا أَو أَعْطَى وَافِيًا، تَامًّا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِ دَلالَةِ الوَاو وَالفَاء وَالحَرْف المُعْتَلِّ، وَإِنَّمَا هِيَ تَفْرِيْعٌ مِنْ دَلالَةِ الأَصْلِ عَلَى الإِكْمَالِ، عَلَى مَا جَاءَ فِي كِتَابِ العَيْنِ، وَفِي الصِّحَاح، وَفِي المُحِيْط، وَفِي لِسَانِ العَرَب، وَفِي تَاجِ العَروس، وَفِي مُحِيْط المُحِيْط.
  وَفِي المُعْجَم العَرَبِيّ الأَسَاسِيِّ وَفِي المُعْجَمِ المَدْرَسِيّ: (( تَوَفَّاهُ اللهُ: أَمَاتَهُ، وَقَبَضَ رُوْحَهُ، وَتُوُفِّيَ فُلانٌ: مَاتَ، وَفَاةٌ ج وَفَيَات: مَوتٌ.)) 11
  وَفِي مُعْجَمِ أَلْفَاظِ القُرْآنِ الكَرِيْمِ: (( تَوَفَّى اللهُ أَو مَلَكُ المَوتِ الإِنْسَانَ: إِذَا قَبَضَ رُوْحَهُ بِإِمَاتَتِهِ، وَتَوَفَّاهُ اللهُ وَقْتَ النَّومِ، وَذَلِكَ أَنْ يَسْلُبَهُ تَمْيِيْزَهُ وَإِحْسَاسَهُ...)) 12
  وَبِالبِنَاءِ للمَجْهُولِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ هَذَا الفِعْلِ فِي اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ.
  وَاسْتِعْمَالُهُ مَبْنِيًّا للمَعْلُومِ فِي وَصْفِ مَوتِ مَخْلُوقٍ، مَحَلُّ جَدَلٍ بَيْنَ المُؤَلِّفِيْنَ فِي كُتُبِ الأَخْطَاءِ اللُّغَوِيَّةِ الشَّائِعَةِ. 13

  عَلَى أَنَّ قِرَاءَتَهُ بِالفَتْحِ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾
مِمَّا رُوِيَ فِي التّفَاسِيْرِ. قَالَ الطّبرسِيّ فِي مَجْمَع البَيَان: (( رُوِيَ فِي الشّواذِّ عَنْ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَتَوَفَّونَ، بِفَتْحِ اليَاءِ..)) 14
وَمِمَّنْ ذَكَرَ القِرَاءَةَ بِالفَتْحِ، الزّمَخشريّ فِي الكَشَّاف، وَالعُكْبريّ فِي الإِمْلاءِ، وَالبَيْضَاويّ فِي تَفْسِيْرِهِ، وَالألوسي فِي رُوح المَعَانِي. 15
وَذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الفِعْلَيْنِ فَرْقًا، فَتُوُفِّيَ: قُبِضَ وَأُخِذَ، وَتَوَفَّى: تَوَفَّى أَجَلَهُ، وَاسْتَوفَى أَكْلَهُ وَعُمْرَهُ، أَي: أَخَذَهُ تَامًّا.16
فَالمَيِّتُ مُتَوَفّى ( اسْمُ مَفْعُولٍ )؛ لأَنَّ نَفْسَهُ قُبِضَتْ، وَمُتَوَفٍّ (اسْمُ فَاعِلٍ )؛ لأَنَّهُ أَخَذَ كُلَّ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ عُمُرٍ وَطَعَامٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَهِيَ عَلَى هَذَا المَعْنَى فِي الاصْطِلاحِ القَانُونِيِّ، فَفِي قَانُونِ الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ السُّورِيّ، اسْتِعْمَالُ لَفْظ ( تُوُفِّيَ ) فِي بَيَانِ عِدَّةِ المَرْأَةِ بِمَا تَقْتَضِيْهِ هَذِهِ الآيَةُ.
فَالمَادَّة (123): عِدَّةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرةُ أَيَّامٍ.
أَلَيْسَتِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، هِيَ المَرْأَةُ الّتِي مَاتَ زَوْجُهَا.
وَالمَادَّةُ ( 125): تَبْدَأُ العِدَّةُ مِنْ تَارِيْخِ الطَّلاقِ أَو الوَفَاة أَو الفَسْخِ أَو التّفْرِيْقِ القَضَائِيِّ أَو المُفَارَقَةِ فِي النِّكَاحِ الفَاسِدِ.
وَالمَادَّةُ ( 127): 1ـ إِذَا تُوُفِّيَ الزَّوْجُ وَكَانَتِ المَرْأَةُ فِي عِدَّةِ الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الوَفَاةِ، وَلا يُحْسَبُ مَا مَضَى.
2 ـ إِذَا توفّى وَهِي فِي عِدَّةِ البَيْنُونَةِ تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الأَجَلَيْنِ مِنْ عِدَّةِ الوَفَاةِ أَو البَيْنُونَة. 17
  أَلَيْسَ المُرَادُ أَنَّ المَرْأَةَ تَعْتَدُّ إِذَا مَاتَ زَوْجُهَا، عِدَّةَ مَنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنَ الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ.

  وَفِي أَحْكَامِ الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ، أَنَّ لِوُجُوبِ العِدَّةِ سَبَبَيْنِ، أَوَّلَهُمَا: وَفَاةُ الزَّوْجِ مُطْلَقًا...18

  وَقَدِ اسْتُعْمِلَ لَفْظ ( مَات ) مَكَانَ ( تُوُفِّيَ ) فِي المَادّة (48) مِنْ قَانُون الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ العِرَاقِيِّ: (( إِذَا مَاتَ زَوْجُ المُطَلَّقَةِ وَهِيَ فِي العِدَّةِ، فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفَاةِ وَلا تَحْتَسِبُ المُدَّةَ المَاضِيَةَ )) 19
  وَجُمْلَةُ ( عِدَّة المَوتِ ) لِمَنْ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فِي قَانُونِ الأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ اليَمَنِيّ، فَفِي المَادّة (80): (( ... عِدَّةُ المَوتِ تَجِبُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ ))
  وَفِي المَادَّةِ (81): (( ....عِدَّةُ المُتَوَفِّي عَنْهَا زَوْجُهَا غَيْرِ الحَامِلِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَة أَيَّام )) 20

  وَاخْتِلافُ مَعَانِي الوَفَاة فِي القُرْآنِ بِاخْتِلافِ مَعَانِي المَوتِ يَدُلُّ عَلَى وُرُودِهَا بِمَعْنَى قَبْضِ النَّفْسِ فِي بَعْضِ الآيَاتِ.
وَذَلِكَ أَنَّ التَّوَفِّيَ فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ عَلَى ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ:

  • فَوَجْهٌ مِنْهَا التَّوَفِّي الّذِي بِمَعْنَى قَبْضِ الذِّهْنِ الّذِي هُوَ عَقْلُ الإِنْسَانِ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ ﴾ يَعْنِي: عِنْدَ النّومِ، فَيَقْبِضُ الذِّهْنَ وَيُنْزِلُ الرُّوْحَ فِيْهِ...
  • وَالوَجْهُ الثَّانِي: التَّوَفِّي: القَبْضُ إِلَيْهِ فِي السَّمَاءِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى:
    ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [ آل عمران(55)]
    لأَنَّهُ قَبَضَهُ إِلَيْهِ وَهُو حَيٌّ.21
  • وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: التَّوَفِّي بِمَعْنَى قَبْضِ الأَرْوَاحِ بِالمَوتِ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى:
    ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ﴾ 22

  وَالمَوتُ فِيْهِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ:

  • مِنْهَا: المَوتُ: حَالُ النُّطْفَةِ قَبْلَ انْتِقَالِهَا، وَمِنْهُ فِي سُورَة آل عِمْرَان:
    ﴿ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ (27) ﴾
  • وَالوَجْهُ الثَّانِي: المَوتُ: الضَّلالَةُ، وَالمَيِّتُ: الضَّالُّ، وَمِنْهُ فِي سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿ أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
  • وَالوَجْهُ الثَّالِثُ: المَوتُ: قِلَّةُ النَّبَاتِ فِي الأَرْضِ، وَمِنْهُ فِي سُورَة يس:
    ﴿ وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾
  • وَالوَجْهُ الرَّابِعُ: المَوتُ: ذَهَابُ الرُّوْحِ عُقُوبَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ تُسْتَوفَى الأَرْزَاقُ وَالآجَالُ، وَمِنْهُ فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾
    يَعْنِي: أَمَاتَهُم عُقُوبَةً لَهُم.
  • وَالوَجْهُ الخَامِسُ: المَوتُ: ذَهَابُ الرُّوْحِ بِالآجَالِ، وَمِنْهُ فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاء: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) ﴾ 23

  وَالآيَاتُ الّتِي فِيْهَا كَلِمَتَا ( المَوت وَالوَفَاةِ ) لا تَقْتَضِي مَا ذَكَرْتَهُ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ أَنَّ (( الوَفَاةَ هِيَ قَبْضُ الرُّوْحِ، وَالّذِي يَقُومُ بِالقَبْضِ، أَي: الّذِي يُحْدِثُ الوَفَاةَ هُوَ المَوتُ...)) 24
  وَذَلِكَ لأَنَّ المَوتَ هُوَ نَتِيْجَةُ قَبْضِ النَّفْسِ بِسَبَبِ نَفَادِ الرِّزْقِ وَانْتِهَاءِ مُدَّةِ الحَيَاةِ الّتِي قَدَّرَهَا اللهُ، وَهُوَ صِفَةُ مَنْ قُبِضَتْ نَفْسُهُ وَلَيْسَ فَاعِلاً؛ لأَنَّ القِيَاسَ اللُّغَوِيَّ يُوْجِبُ وَصْفَ قَابِضِ النَّفْسِ بِحَسَبِ مَا يُسْتَعْمَلُ مِنَ الأَلْفَاظِ، وَكَلِمَةُ ( مَوت ) مَصْدَرُ الفِعْلِ اللاّزِمِ ( مَاتَ) الّذِي وَرَدَ عَنِ العَرَبِ بِهَذِهِ الصِّيْغَةِ دَلالَةً عَلَى سُكُونِ الجِسْمِ وَانْقِطَاعِ حَرَكَتِهِ، لَيْسَ دَالاًّ عَلى أَنَّ المَيِّتَ هُوَ الفَاعِلُ، وَالمَوتُ لا يَتَوَفَّى أَحَدًا، وَإِنَّمَا مَنْ كُلِّفَ قَبْضَ النَّفْسِ مِمَّا سُمِّيَ فِي بَعْضِ الآيَاتِ مَلَكًا وَرُسُلاً، وَذَلِكَ لأَنَّ المَوتَ بِمَعْنَى قَبْضِ النَّفْسِ، يَكُونُ حِيْنَ يَسْتَوفِي المَخْلُوقُ مَالَهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَجَلٍ وَرِزْقٍ، فَإِذَا اسْتَوفَى ذَلِكَ، تَوَفَّاهُ اللهُ، فَسُمِّيَ مَيِّتًا، فَالتَّوَفِّي مُقَدَّمٌ عَلَى الإِمَاتَةِ، وَلَيْسَتِ الإِمَاتَةُ مُقَدَّمَةً عَلَى التَّوفِّي بِحَسَبِ مَاعَلِمْتُ، وَهُوَ قَلِيْلٌ فِي جَنْبِ مَا لا أَعْلَمُ.

  وَمِنْ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) ﴾ [ سورة النساء]
وَذَلِكَ لأَنَّ قَولَهُ: يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ لا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ المَوتُ هُوَ الّذِي يُحْدِثُ الوَفَاةَ، وَإِنَّمَا الوَفَاةُ هِيَ الّتِي تُحْدِثُ المَوتَ؛ لأَنَّهَا دَلالَةٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَخْلُوقًا قَدِ اسْتَوفَى مَا قَدَّرَ لَهُ اللهُ مِنْ رِزْقٍ وَمِنْ عُمُرٍ وَلِذَلِكَ جَاءَهُ مَلَكُ المَوتُ فَقَبَضَ نَفْسَهُ بِسَبَبِ انْتِهَاءِ مُدَّةِ حَيَاتِهِ، وَذَلِكَ بِدَلِيْلِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ ﴾ [ سورة السجدة]
  وَكَلِمَةُ ( مَلَكُ) فِي هَذِهِ الآيَةِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهَا مَحْذُوفَةٌ فِي قَولِه عزل وجل: ﴿ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ﴾ مِنْ بَابِ حَذْفِ المُضَافِ، وَهُوَ مِنَ المَشْهُورِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَكُتُبِ عُلُومِ القُرْآنِ. 25
  فَالمَوتُ لا يَتَوَفَّى أَحَدًا، وَإِنَّمَا مَنْ وَكَّلَهُ اللهُ بِتَوَفِّي أَحَدٍ، وَيُوْصَفُ ذَلِكَ الفَاعِلُ بِالمُمِيْتِ، وَلَيْسَ بِالمَيِّتِ، وَذَلِكَ لأَنَّ المَيِّتَ لَيْسَ فَاعِلاً، وَإِنَّمَا مَخْلُوقٌ وَقَعَ عَلَيْهِ الفِعْلُ، وَالفَاعِلُ هُوَ المُمِيْتُ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الفِعْلِ (أَمَاتَ) وَلَيْسَ مِنَ الفِعْلِ (مَات) فَالمُتَوَفِّي هُوَ المُمِيْتُ لأَنَّهُ يَقْبِضُ نَفْسَ مَنِ انْتَهَتْ مُدَّةُ حَيَاتِهِ، أَو عَقْلَهُ فِي النّومِ، وَمِنْهُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ﴾ [ سورة الأنعام (60)]
  وَقَولُهُ عز وجل : ﴿ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ [ سورة يونس (104) ]
وَقَولُهُ: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ﴾ [ سورة النحل (70) ]
فَهَذَا دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ المُتَوَفِّيَ هُوَ المُمِيْتُ الّذِي يَقْبِضُ نَفْسَ المَخْلُوقِ الّذِي انْتَهَتْ مُدَّةُ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ المَوتَ هُوَ الصِّفَةُ الّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا مَنْ قُبِضَتْ نَفْسُهُ.
وَمِنْهُ قَولُهُ: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ [ سورة اليقرة (259 )]
وَقَولُهُ عز وجل: ﴿ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ (22) ﴾ [ سورة عبس]
  فَالمَوتُ يَا سَيِّدِي لَيْسَ فَاعِلاً يَتَوَفَّى؛ لأَنَّ الفِعْلَ الدَّالَّ عَلَى هَذَا هُوَ (أَمَاتَ ) وَلَيْسَ ( مَاتَ ). وَمَنْ مَاتَ لَيْسَ فَاعِلاً، وَإِنَّمَا مَنْ أَمَاتَ هُوَ الفَاعِلُ القَابِضُ النَّفْسَ حِيْنَ تَسْتَوفِي أَجَلَهَا، أَي: تَنْتَهِي المُدَّةُ المُقَدَّرَةُ لَهَا.

  وَأَمَّا قَولُكَ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ: (( لَمْ أَجِدْ كَلِمَةَ وَفَاةٍ عَلَى أَنَّهَا هِيَ المَوتُ، وَأَنَّهَا فَاعِلَةٌ لِنَفْسِهَا بِنَفْسِهَا دُوْنَ عُنْصُرٍ آخَر، أَو قُوَّةٍ أُخْرَى. بَلْ وَجَدْتُ أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الكَثِيْرِ مِنَ الآيَاتِ بِصِيْغَةِ المَفْعُولِ، أَي: المَجْهُولِ للدَّلالَةِ عَلَى أَنَّهَا حَادِثٌ يَقُومُ بِهِ مُحْدِثٌ.)) 26
فَأَقُولُ فِيْهِ: لَمْ تَرِدْ كَلِمَةُ (وَفَاةٍ) فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ، وَالّذِي وَرَدَ عَلَى مَا تَعْلَمُ يَا سَيِّدِي، هُوَ الوَاو وَالفَاءُ وَالحَرْفُ المُعْتَلُّ، وَمَا يُصَرَّفُ مِنْهَا، وَمِنْهُ : ( وَفَّى، وَأَوفَى، وَيُوَفَّى، وَيَتَوَفَّى، وَيُتَوَفَّى ) وَمَا كَانَ مِنْهُ مَع الضَّمَائِرِ، وَاسْمٌ عَلَى صِيْغَةِ التَّفْضِيْلِ ( أَوفَى، وَالأَوْفَى).
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ ( اسْمَ فَاعِلٍ ) لِتَكُونَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ فَاعِلَةً لِنَفْسِهَا بِنَفْسِهَا، وَلَيْسَ وُرُودُ الفِعْلِ مَبْنِيًّا للمَجْهُولِ دَالاًّ عَلَى وُقُوعِ الفِعْلِ عَلَى فَاعِلِهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
فَفِي سُورَةِ غَافر: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
وَفِيْهَا: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
فَهَلْ تَرَى يَاسَيِّدِي فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ﴾
حَدَثًا غَيْرَ مَا فِي قَوْلِهِ: ﴿ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ .
وَهَلْ يَقْتَضِي بِنَاءُ الفِعْلِ للمَجْهُولِ أَنْ يَكُونَ المَفْعُولُ بِهِ فَاعِلاً.

  وَفِي سُورَةِ النّحل: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
وَفِيْهَا: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
فَهَلْ يَقْتَضِي هَذَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الّذِيْنَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، فَعَلَ شَيئًا، أَلَيْسَ كُلٌّ مِنْهُم مُتَوَفّىً، مَيِّتًا وَاقِعًا عَلَيْهِ فِعْلُ القَبْضِ، وَالمَلائِكَةُ مُتَوَفِّيْنَ وَاقِعًا مِنْهُم فِعْلُ القَبْضِ بِسَبَبِ اسْتِيْفَاءِ أُولَئِكَ آجَالَهُم.

  وَفِي سُورَةِ الأَنْفَالَ: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾
فَهَلْ يَقْتَضِي ذِكْرُ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ بِهِ فِي هَذِهِ الآيَةِ اسْمًا، خِلافَ مَا يَقْتَضِيْهِ ذِكْرُ الفِعْلِ وَالفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ بِهِ ضَمِيْرًا، مِنْ وُقُوعِ الفِعْلِ.
وَمَا الفَرْقُ بَيْنَ: ﴿ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ﴾
وَبَيْنَ: ﴿ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ ﴾
وَهَلْ تَرَى يَاسَيِّدِي بِنَاءَ الفِعْلِ للمَجْهُولِ دَالاًّ عَلَى حَدَثٍ، وَبِنَاءَ الفِعْلِ للمَعْلُومِ غَيْرَ دَالٍّ عَلَى حَدَثٍ ؟
مَع أَنَّ الفِعْلَ فِي النَّحْو هُوَ الحَدَثُ الّذِي يَقُومُ بِهِ الفَاعِلُ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الفَاعِلُ مَذْكُورًا فِي الجُمْلَةِ أَمْ مَحْذُوفًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ لازِمًا أَمْ مُتَعَدِّيًا عَلَى دَلالَةِ كُلِّ فِعْلٍ مِنْ حَقِيْقَةٍ وَمَجَازٍ، وَلَيْسَتْ دَلالَتُهُ عَلَى الحَدَثِ مُعَلَّقَةً بِبِنَائِهِ للمَعْلُومِ وَلا للمَجْهُولِ.
وَلَيْسَتْ دَلالَةُ المَصْدَرِ عَلَى حَدَثٍ؛ لِتَنْفِيَ وُجُودَ فَاعِلٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ المَصْدَرُ مُشْتَقًّا مِنَ الفِعْلِ، أَمْ كَانَ الفِعْلُ مُشْتَقًّا مِنَ المَصْدَرِ؛ لِتَعَذُّرِ وُقُوعِ حَدَثٍ بِغَيْرِ مُحْدِثٍ.
وَالأَصْلُ فِي دَلالَةِ التَّرْكِيْب لأَحْرُفِ الفِعْلَيْنِ ( وَفَى ) وَ ( مَاتَ ) لا يَتَغَيَّرُ بِتَعَدُّدِ المَعَانِي، وَإِنْ قُسِّمَ عَلَى مَوتٍ طَبِيْعِيٍّ وَمَوتٍ اخْتِرَامِيٍّ، أَو مَوتٍ طَبِيْعِيٍّ، وَمَوتٍ إِرَادِيٍّ، أَو تَعَدَّدَتْ صِفَاتُهُ فِي اصْطِلاحِ الصُّوفِيَّةِ، عَلَى مَوتٍ أَبْيَضَ، وَمَوتٍ أَسْوَدَ، وَمَوتٍ أَحْمَرَ، وَمَوتٍ أَخْضَرَ. 27
عَلَى أَنَّ الاخْتِلافَ فِي هَذَا أَمْرٌ لا يُدْفَعُ، فَتَعْرِيْفُ الوَفَاةِ مُخْتَلَفٌ فِيْهِ فِي الطَّبِّ وَفِي القَانُون وَفِي الشَّرِيْعَة، وَفِيْهِ جَدَلٌ كَبِيْرٌ.
أَتَكُونُ الوَفَاةُ بِالمَوتِ الظَّاهِرِيِّ بِتَوَقُّفِ القَلْبِ وَالتَّنَفُّسِ، أَم بِالمَوتِ الدِّمَاغِيّ بِتَوَقُّفِ المُخِّ، أَم بِالمَوتِ الجَسَدِيِّ بِتَوَقُّفِ القَلْبِ وَالرِّئَتَيْنِ وَالمُخِّ، أَم بِمَوتِ خَلايَا أَعْضَاءِ الجِسْمِ وَأَنْسِجَتِهَا. 28

  وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ كَلِمَةِ ( التَّنْبِيْهِ ) فَلَيْسَتْ عَلَى مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ مِنْ وَصْفِ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا، وَلَيْسَ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا مُدَّعِيًا نُبُوَّةً، وَلا مُبَالِغًا مُبَالَغَةً غَيْرَ مَحْمُودَةٍ.
كَتَبْتَ فِي رِسَالَتِكَ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ: (( الأَصْلُ اللُّغَوِيُّ للتَّنْبِيْهِ هُوَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ مُنَبِّهٌ مُسْتَيْقِظٌ، شَدِيْدُ اليَقَظَةِ وَحَادُّ الانْتِبَاهِ، وَتَحْتَ نَظَرِهِ الثَّاقِبِ نَائِمٌ غَافِلٌ أَو نُوَّمٌ غَافِلُونَ.... تِلْكَ هِيَ الوَظِيْفَةُ الّتِي تَكَلّف بِهَا الأَنْبِيَاءُ مِنْ قِبَلِ اللهِ... لَقَدِ اعْتَبَرَ الأُسْتَاذ تَمَّام نَفْسَهُ مُنَبِّهًا وَاعْتَبَرَنِي كَمَا اعْتَبَرَ الكَثِيْرِيْنَ مِثْل حَامِد حَسن وَأَسْعَد عَلِيّ وَسِوَاهُمَا مِمَّنْ غَمَرَتْهُمُ الأَوْهَامُ وَاكْتَنَفَتْهُم ظُلْمَةُ الفِكْرِ.
سَامَحَهُ اللهُ. فَالمُبَالَغَةُ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ سَوَاءٌ فِي ضَخَامَةِ الذّاتِ أَو تَقْزِيْمِ الآخَرِيْن. جَمِيْعُنَا بَشَرٌ.. نَحْنُ الغَفَلَةُ وَمَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ مُنَبِّهًا لَنَا...))
29
حَيَّاكَ اللهُ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ.
إِنَّ دَلالَةَ الفِعْلِ ( نَبَّهَ ) تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ حَرْفِ الجَرِّ الّذِي يَلِيْهِ، فَلَيْسَتْ دَلالَةُ قَولِنَا ( نَبَّهَهُ مِنَ النَّومِ ) كَدَلالَةِ قَولِنَا ( نَبَّهَهُ عَلَى الشَّيءِ ) فَالأُوْلَى تَقْتَضِي مَا ذَكَرْتَ مِنْ مُسْتَيْقِظٍ يُنَبِّهُ نَائِمًا، وَلَكِنَّ الأُخْرَى تَعْنِي التّوقِيْفَ عَلَى الشَّيءِ مِنْ غَيْرِ دَلالَةٍ عَلَى نَائِمٍ وَلا عَلَى مُسْتَيْقِظٍ.
يُقَالُ: (( نَبَّهَهُ مِنَ النَّومِ وَمِنَ الغَفْلَةِ: أَيْقَظَهُ.. وَنَبَّهَهُ عَلَى الشَّيءِ: وَقَّفَهُ عَلَيْهِ فَتَنَبَّهَ هُوَ عَلَيْهِ....)) 30
وَفِي المُعْجَمِ العَرَبِيّ الأَسَاسِيّ: (( نَبَّهَهُ إِلَى الشَّيءِ وَعَلَيْهِ: أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ..))
وَالّذِي كَانَ فِي كَلامِي عَلَى كِتَابِكَ يَاسَيِّدِي، كَانَ مِنْ بَابِ التّوقِيْفِ وَالإِعْلامِ، وَالّذِي جَاءَ فِيْهِ هُوَ التَّنْبِيْهُ عَلَى مَجِيءِ الوَفَاةِ بِمَعْنَى المَوتِ، وَلَمْ أَسْتَعْمِلْ فِيْهِ حَرْف الجَرّ ( مِنْ ) لِيَكُونَ دَالاًّ عَلَى مُسْتَيْقِظٍ يُنَبِّهُ نَائِمًا.

  وَلَقَدِ اسْتَعْمَلَ كَثِيْرٌ مِنَ المُؤَلِّفِيْنَ هَذِهِ الكَلِمَةَ، وَقَبْلَ الإِحَالَةِ عَلَى كُتُبِ بَعْضِهِم، أُحِبُّ أَنْ أُذَكِّرَكَ يَا سَيِّدِي أَنَّكَ اسْتَعْمَلْتَهَا وَفَّقَكَ اللهُ فِي كِتَابِكَ ( العَدْلِ الإِلَهِيِّ وَالتَّنَاسُخ ) وَمَعَاذَ اللهِ أَنْ أَعُدَّهَا عَثَرَةً أَو أَنْ أُحْصِيَ عَلَيْكَ اسْتِعْمَالَهَا، وَلَكِنَّهُ تَذْكِيْرٌ بِأَنَّهَا جَاءَت فِي كِتَابِكُم فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا الصَّفْحَة ( 223) وَ( 347) وَ ( 378) وَ(431). 31
كَتَبْتَ فِي الصَّفْحَة (378 ) (( نُنَبِّهُ القَارِئَ إِلَى..))
وَأَنَا قَارِئٌ رَضِيَ تَنْبِيْهَكَ وَلَمْ أَقُلْ أَنَّكَ بِهَذَا تُبَالِغُ فِي مَدْحِ نَفْسِكَ، وَلا أَنَّكَ تَسْتَصْغِرُ قَدْرَنَا أَو تَسْتَخِفُّ بِنَا، فَلِمَ لا تَحْمِلُ لَنَا مَا حَمَلْنَاهُ لَكَ، لَقَدْ نَبَّهْتَنَا، فَنَبَّهْنَاكَ، وَكَتَبْتَ فَقَلَّدْنَاكَ، فَهَلْ ظَلَمْتَنَا أَو ظَلَمْنَاكَ ؟
أَنْتَ أَكْبَرُ مَكَانَةً فِي نُفُوسِنَا مِنْ أَنْ نُسِيءَ بِكَ الظَّنَّ، وَأَعْلَى مَقَامًا فِي قُلُوبِنَا مِنْ أَنْ نَتَّهِمَكَ، فَمَا رَأْيُكَ يَاسَيِّدِي.

  إِنَّ إِثْبَاتَ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ يُدْخِلُ رِسَالَتِي هَذِهِ فِي مُجَلَّدَاتٍ؛ لِكَثْرَةِ الشَّوَاهِدِ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا، وَلا أُرِيْدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، إِلاَّ أَنَّ أَعْظَمَ دَلِيْلٍ عَلَى شُيُوعِهَا أَنَّ بَعْضَ المُؤَلِّفِيْنَ جَعَلَهَا عُنْوانًا لِبَعْضِ كُتُبِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ الإِشَارات وَالتَّنْبِيْهَات لابن سِينَا، وَكِتَاب التَّنْبِيْهِ عَلَى شَرْح مُشْكِلات الحَمَاسَة لابن جِنّيّ، وَكِتَاب تَنْبِيْه الغَافِلِيْنَ لأبِي اللّيْث السّمرقندي، وَكِتَاب التَّنْبِيْه فِي الفِقْهِ الشَّافِعِيّ لأَبِي إِسْحَاق الشّيْرَازِيّ، وَكِتَابُ التَّنْبِيْهِ لابنِ السِّيْدِ البَطَلْيَوسِيّ، وَكِتَابُ التَّنْبِيْهِ لِحَمْزَة الأصْفَهَانِيّ، وَكِتَابُ تَنْبِيْهِ الغَافِلِيْنَ لأَبِي الحَسن النّوريّ.

  وَأَمَّا قَولُكَ أَنَّنِي أَثْنَيْتُ عَلَى الدّكتور وهبة الزّحيليّ؛ لأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الحَدِيْثَ عَنِ التَّنَاسُخِ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ فُضُولٌ، وَأَنَّنِي عَاتَبْتُهُ؛ لأَنَّهُ سَكَتَ عَمَّا كَتَبْتَهُ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ.32
فَهَذَا شَيءٌ لَمْ أَخْرُجْ بِهِ عَمَّا جَاءَ فِي كِتَابِكَ، وَلَمْ أَسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِكَلامٍ لَيْسَ فِيْهِ، فَقَدْ أَرْسَلْتَ كِتَابَكَ إِلَى الدّكتور وهبة الزحيليّ، وَكَتَبَ رَأْيَهُ، فَنَشَرْتَ رَأْيَهُ فِي كِتَابِكَ، ثُمَّ نَشَرْتَ بَعْدَهُ مَا سَمَّيْتَهُ ( تَعْقِيْب عَلَى بَحْث الدّكتور الزّحيلي ) وَعَلَّلْتَ ذَلِكَ بِرَغْبَتِكَ فِي تَأْكِيْدِ أَمْرَيْنِ، هُمَا: جَمْعُ مَا أَمْكَنَ مِنَ الآرَاءِ، وَتَأْكِيْدُ الاعْتِدَالِ وَالحِيَادِ عَنِ التَّعَصُّبِ.33
وَقَدْ جَاءَ فِي تَعْقِيْبِكَ: (( كَانَ حَظًّا حَسَنًا للجَمِيْعِ أَنْ عُرِضَ هَذَا الكِتَابُ ـ مَخْطُوطًا ـ عَلَى العَلاَّمَةِ الكَبِيْرِ وهبة الزّحيلي الّذِي تَفَضَّلَ مَشْكُورًا بِكِتَابَةِ بَحْثِهِ الآنِفِ الذّكْرِ؛ لِكَي يَتِمَّ إِدْرَاجُهُ فِي الكِتَابِ وَيَأْخُذَ طَرِيْقَهُ إِلَى القُرَّاءِ. حِيْنَمَا اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ أَثْنَيْتُ وَرَحَّبْتُ وَأَرْسَلْتُهُ إِلَى دَارِ النّشْرِ..)) 34
فَإِذَا أَثْنَيْتُ عَلَى الدّكتور وهبة الزحيليّ، فَإِنَّ ثَنَائِي عَلَيْهِ كَانَ بَعْدَ ثَنَائِكَ، وَتَحْسِيْنُ رَأْيِهِ كَانَ بَعْدَ تَحْسِيْنِكَ.
مَع أَنَّ كَلامِي كَانَ تَعَجُّبًا مِنْ عَدَمِ تَنْبِيْهِهِ عَلَى مَا أَرَاهُ خَطَأً مِنْ نَفْيِ مَجِيءِ الوَفَاةِ بِمَعْنَى المَوتِ، وَلَمْ يَكُنْ ثَنَاءً عَلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِحْسَانًا، فَقُلْتُ: إِنَّ أَحْسَنَ كَلِمَةٍ قَالَهَا فِي كِتَابِكَ أَنَّهُ اسْتِعْرَاضٌ تَارِيْخِيٌّ فَلْسَفِيٌّ، يُشْكَرُ صَاحِبُهُ عَلَى مَا بَذَلَ مِنْ جُهُودٍ...35

  ثُمَّ قُلْتَ فِي رِسَالَتِكَ فِي بَيَانِ ذَلِكَ: (( إِنَّ مَا قَالَهُ الزّحيليّ هُوَ تَكْرَارٌ لِسَلَفِيَّةٍ قَامَتْ عَلَى ثَوَابِت يَقِيْنِيَّةٍ لا تَسْتَطِيْعُ التَّصَدّيَ للفِكْرِ المُتَطَوِّرِ أَوِ الحِوَارَ مَعَهُ.
فَهُوَ: إِمَّا أَنَّهُ لا يَمْلِكُ مَؤونَةَ الحِوَارِ، وَإِمَّا أَنَّهُ سَلَفِيٌّ جِدًّا لا يَسْمَحُ لِفِكْرِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَ خَطْوَةً وَاحِدَةً، مَع أَنَّ القُرْآنَ حَضَّ عَلَى العِلْمِ دُوْنَ أَنْ تَجْمُدَ حُدُودُهُ عِنْدَ التَّفْسِيْرِ وَالتَّجْوِيْدِ وَالتَّأْوِيْلِ وَسَرْدِ الأَحَادِيْثِ وَالالْتِوَاءِ فِي مَضَامِيْنِهَا..))
36
وَكَلِمَةُ ( السَّلَفِيَّة ) وَكَلِمَةُ ( التّطَوُّر ) لَفْظَانِ يَأْخُذُهُمَا كُلٌّ إِلَى مَا يَسْتَصْوِبُ، وَالسَّلَفِيُّ وَالمُتَطَوِّرُ صِفَتَانِ نَتَجَاذَبُ تَعْرِيْفَهُمَا وَإِطْلاقَهُمَا.
فَمَا تَرَاهُ سَلَفِيًّا يَرَاهُ غَيْرُكَ تَطَوُّرًا، وَمَا تَرَاهُ تَطَوُّرًا يَرَاهُ غَيْرُكَ خُرُوجًا، وَلِكُلٍّ فِي قَبُولِ اللَّفْظِ وَإِنْكَارِهِ، قَولٌ، وَفِي تَعْلِيْلِهِ سَبَبٌ، وَفِي اسْتِعْمَالِهِ رَأْيٌ، بَيْنَ مَنْ يَرَى وُجُوبَ التَّوفِيْقِ بَيْنَ الدِّيْنِ وَالعِلْمِ، وَبَيْنَ مَنْ يَرَى تَعَذُّرَ ذَلِكَ، وَفِي تَعْرِيْفِ السَّلَفِيَّةِ أَقْوَالٌ.
مِنْهَا أَنَّهَا مُدَّةٌ زَمَنِيَّةٌ انْتَهَتْ وَهِيَ القُرُونُ الثَّلاثَةُ الأُولَى مِنْ عُمُر الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ. وَمِنْهَا أَنَّهَا مِنْهَاجٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَنٍ.37
  قَالَ الدّكتور مُحَمّد سَعِيْد رَمَضَان البوطي، رَحِمَهُ اللهُ: (( لَعَلَّ مَبْدَأَ ظُهُورِ هَذَا الشِّعَارِ ( السَّلَفِيّة ) كَانَ فِي مِصْرَ إِبَّانَ الاحْتِلالِ البَرِيطَانِيّ لَهَا وَأَيَّامَ ظُهُورِ حَرَكَةِ الإِصْلاحِ الدِّيْنِيِّ الّتِي قَادَهَا وَحَمَلَ لِوَاءهَا كُلٌّ مِنْ جَمَالِ الدِّيْنِ الأَفْغَانِيّ وَمُحَمّد عَبده، فَلَقَدِ اقْتَرَنَ ظُهُورُ هَذِهِ الحَرَكَةِ بِارْتِفَاعِ هَذَا الشِّعَارِ..... وَلَقَدْ كَانَ لِحَرَكَةِ الإِصْلاحِ الدِّيْنِي هَذِهِ أَثَرٌ كَبِيْرٌ فِي التّرْوِيْج لِكَلِمَةِ ( السَّلَف) وَ (السَّلَفِيّة ) فِي الأَوْسَاطِ الثَّقَافِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ العَامَّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَلِمَةً ذَاتَ دَلالَةٍ مَحْدُودَةٍ، لا تُسْتَعْمَلُ إِلاَّ فِي مُنَاسَبَاتٍ عِلْمِيَّةٍ ضَيِّقَةٍ....
كَانَ الشِّعَارُ الّذِي رَفَعَهُ أَقْطَابُ هَذِهِ الحَرَكَةِ الإِصْلاحِيَّةِ هُوَ (السَّلَفِيّةُ) وَكَانَ يَعْنِي الدَّعْوَةَ إِلَى نَبْذِ كُلِّ هَذِهِ الرّوَاسِبِ الّتِي عَكَّرَتْ عَلَى الإِسْلامِ طُهْرَهُ وَصَفَاءَهُ، مِنْ بِدَعٍ وَخُرَافَاتٍ وَتَقَوقُعٍ فِي أَقْبِيَةِ العُزْلَةِ وَبُعْدٍ عَنِ الحَيَاةِ....
فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ كَانَ المَذْهَبُ الوَهّابِيّ المَنْسُوبُ إِلَى صَاحِبِهِ الشَّيْخ مُحَمّد بنِ عَبْد الوَهَّاب (1703ـ 1793 ) مُنْتَشِرًا فِي نَجْدٍ وَبَعْضِ أَطْرَافِ الجَزِيْرَةِ العَرَبِيَّةِ.... فَرَاجَتْ كَلِمَةُ ( السَّلَف) وَ( السَّلَفِيَّةِ) بَيْنَ أَقْطَابِ المَذْهَبِ الوَهَّابِيِّ.. وَرَاحُوا يُرَوِّجُونَ هَذَا اللَّقَبَ الجَدِيْدَ عُنْوانًا عَلَى مَذْهَبِهِم القَدِيْمِ المَعْرُوفِ؛ لِيُوحُوا إِلَى النَّاسِ بِأَنَّ أَفْكَارَ هَذَا المَذْهَبِ لا تَقِفْ عِنْدَ مُحَمّد بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، بَلْ تَرْقَى إِلَى السَّلَفِ...
وَهَكَذَا تَحَوَّلَتِ الكَلِمَةُ مِنْ شِعَارٍ أُطْلِقَ عَلَى حَرَكَةٍ إِصْلاحِيَّةٍ للتّرْوِيْجِ لَهَا وَالدِّفَاعِ عَنْهَا، إِلَى لَقَبٍ لُقِّبَ بِهِ مَذْهَبٌ يَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُم دُوْنَ غَيْرِهِم مِنَ المُسْلِمِيْنَ عَلَى حَقٍّ..... فَالسَّلَفِيُّ اليَومَ كُلُّ مَنْ تَمَسَّكَ بِقَائِمَةٍ مِنَ الآرَاءِ الاجْتِهَادِيَّةِ المُعَيَّنَةِ، وَدَافَعَ عَنْهَا، وَسَفَّهَ الخَارِجِيْنَ عَلَيْهَا، وَنَسَبَهُم إِلَى الابْتِدَاعِ، سَوَاءٌ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالأُمُورِ الاعْتِقَادِيَّةِ أَو الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ...))
38
  وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّ السَّلَفِيَّةَ لا تَعْنِي الجُمُودَ، وَإِنَّمَا الإِصْلاح، وَلَكِنَّهَا صَارَتْ دَالَّةً عَلَى الجُمُودِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ أَتْبَاعِ المَذْهَبِ الوَهَّابِيِّ دَعْوَتَهُم بِالسَّلَفِيَّةِ.
  وَبَعْضُ المُؤَلِّفِيْنَ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالوَهَّابِيَّةِ، وَيَعُدُّهَا عَقِيْدَةَ تَجْسِيْمٍ، وَمِنْهُ فِي كِتَابِ السَّلَفِيّة الوَهَّابِيّة: (( الوَهَّابِيَّةُ أَوِ السَّلَفِيَّةُ هُمْ أَتْبَاعُ المَذْهَبِ الحَنْبَلِيّ....لا فَرْقَ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالوَهَّابِيَّةِ فَهُم وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ....فَهِيَ فِي دَاخِلِ جَزِيْرَةِ العَرَبِ وَهَّابِيَّةٌ حَنْبَلِيَّةٌ، وَعِنْدَمَا تُصَدَّرُ لِخَارِجِهَا تُسَمَّى سَلَفِيَّةً...)) 39

  وَفِي الدِّفَاعِ عَنْ صِحَّةِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، أَقْوَالٌ.
  قَالَ الدّكتور مفرح القوسي: (( وَأَمَّا مُصْطَلَحُ السَّلَفِيَّةِ فَالمَقْصُودُ بِهِ... الطّرِيْقَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَمَنْ تَبِعَهُم بِإِحْسَانٍ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَقْدِيْمِهِمَا عَلَى مَا سِوَاهُمَا، وَالعَمَلِ بِهِمَا عَلَى مُقْتَضَى فَهْمِهِم..)) 40
  وَقَالَ الدّكتور عبد العزيز العُتَيْبِيّ: (( الدَّعْوَةُ السَّلَفِيَّةُ تَمَيَّزَتْ عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الدَّعَواتِ بِأَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى أَصْلَيْنِ، لا ثَالِثَ لَهُمَا، كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ (ص وآله)، فَمَنْ عَرَفَ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، وَقَدَّمَ فَهْمَ الصَّحَابَةِ عَلَى فَهْمِهِ، وَسَارَ عَلَى نَهْجِ سَلَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ، عَرَفَ السَّلَفِيِّيْنَ وَعَرَفُوهُ....)) 41
  فَمَا مِقْيَاسُ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الكَلِمَةِ فِي رَأْيِكَ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ ؟
وَمَا المُرَادُ بِالتَّطَوُّرِ ؟ وَمَتَى يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ ؟ وَمَنْ يُسَمَّى بِهِ ؟
وَمَتَى يُوْصَفُ الرَّجُلُ بِالتَّطَوُّرِ ؟ وَمَتَى يُعَدُّ الرَّجُلُ جَامِدًا ؟
أَكُنَّا جَامِدِيْنَ فَتَحَرَّكْنَا ، أَمْ لَمْ نَزَلْ عَلَى جُمُودِنَا ؟
ثُمَّ فِي أَيِّ شَيءٍ يَكُونُ الجُمُودُ ؟ أَفِي الدِّيْنِ فَقَط، أَمْ فِي كُلِّ شَيءٍ ؟
  قَالَ العَلاَّمَةُ الشَّيْخُ سُلَيْمَان أَحْمد، رَحِمَهُ اللهُ: (( .. الشَّرْق جَامِدٌ مُقَلِّدٌ إِلَى أَقْصَى مَا يَبْلُغُ مَعْنَى التَّقْلِيْدِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مُوَحِّدُهُ وَمُلْحِدُهُ وَعَالِمُهُ وَجَاهِلُهُ. وَهَذِهِ الكَلِمَةُ جَارِحَةٌ، وَلَكِنَّهَا حَقِيْقَةٌ ثَابِتَةٌ يَجِبُ أَنْ تُقَالَ مَهْمَا كَانَتْ، وَالحَقُّ ثَقِيْلٌ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَا قِيْل..)) 42
  فَمَا رَأْيُكَ أَيُّهَا الأُسْتَاذُ الكَرِيْمُ ؟

  هَذَا مَا عَلِمْتُهُ، وَلا أَدَّعِي فِيْهِ العِصْمَةَ مِنَ الخَطَإِ، وَمَا عَرَفْتُهُ بَعْدَ الاطِّلاعِ عَلَى كُتُبِ التَّفَاسِيْرِ، وَالاسْتِمَاعِ إِلَى شَهَادَةِ المَعَاجِمِ، وَهُوَ قَابِلٌ للطَّعْنِ مِنْ طَرِيْقِ اسْتِئْنَافِ المُنَاقَشَةِ، وَإِذَا أَحْبَبْتَ بِطَرِيْقِ النَّقْضِ بِحَسَبِ الاصْطِلاحِ القَانُونِيِّ، أَو مِنْ طَرِيْقِ النَّقْدِ بِحَسَبِ الاصْطِلاحِ الأَدَبِيِّ، أَو مِنْ طَرِيْقِ التَّحْكِيْمِ بِحَسَبِ الاصْطِلاحِ القَانُونِيِّ وَالاجْتِمَاعِيِّ، فَإِنَّ لَكَ مَا تُرِيْدُ وَمَا تُحِبُّ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لَنَا حَقُّ الاعْتِرَاضِ بِاسْتِئْنَافِ البَيَانِ فِي مُرَافَعَةٍ أُخْرَى، عَلَى أَنْ (( يُقْفَل بَابُ المُرَافَعَةِ بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ الخُصُومِ مِنْ مُرَافَعَاتِهِم )) بِحَسَبِ مَا تَعْمَلُونَ بِهِ. 43
  وَمَا هَذَا لَو أَرَدْتُ بَيَانَهُ شِعْرًا لِيَخْرُجَ عَنْ قَولِ الدّكتور عَبد اللّطيف اليونس، رَحِمَهُ اللهُ:

وَالفِكْـرُ لَيْسَ هُنَاكَ أَسْمَى غَـايَـةً   مِنْـهُ كَأَنَّ الكَونَ مِنْـهُ عَطَـاءُ
الفِكْـرُ سِــرُّ اللهِ لَيْـسَ تَحُــدُّهُ   آفَاقُنَــا وَالقُبَّــةُ الزَّرْقَــاءُ
مِنْ أَيْنَ يَأْتِي الفِكْـرُ ؟ أَيْنَ مَسِيْـرُهُ   فِي لَحْظَـةٍ يَنْسَـابُ حَيْثُ يَشَـاءُ
يَـارَبِّ عَفْـوكَ كُلُّ فِكْـرٍ سَـابِحٍ   هُـوَ مِنْ مَعِيْنِـكَ دَفْقَـةٌ وَسَنَـاءُ
44

  ثُمَّ تَفَضَّلْ بِقَبُولِ شُكْرِنَا وَسَلامِنَا عَلَيْكُم وَعَلَى مَنْ تُحِبُّونَ.
  وَالحَمْدُ للهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى خَاتَمِ النَّبِيِّيْنَ، وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِيْنَ.

كَاتِبُهُ
تَمَّام أَحْمَد\صافيتا\عين حفاض
9\5\2015م
  1. 1. أدباء مكرمون، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 2004. ص 64.
  2. 2. المادة الخامسة من القانون المدني السوري.
  3. 3. العدل الإلهي والتناسخ 348.
  4. 4. فقرات دفاع توضيحية ص 4.
  5. 5. أسرار العربية لابن الأنباري، تح محمد بهجة لبيطار، عاصم بهجة البيطار، دار البشائر\دمشق ط2\2004م. ص 99.
  6. 6. معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، ط اتحاد الكتاب العرب 2002م. 6\129.
  7. 7. معجم مقاييس اللغة،5\283.
  8. 8. لسان العرب، تاج العروس.
  9. 9. أسرار العربية لابن الأنباري ص 99.
  10. 10. علل النّحو لأبي الحسن الوراق، تح محمود نصار، دار الكتب العلمية\بيروت\ط1\2002م. ص385.
  11. 11. المعجم العربي الأساسي. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم. والمعجم المدرسي، وزارة التربية السورية ط2 \2007م.
  12. 12. معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية \القاهرة. 6\268.
  13. 13. ذهب الأستاذ محمد العدناني إلى جواز استعماله مبنيًا للمعلوم، وَأَحَالَ عَلَى كَشْف الطّرّةِ للشَّهَاب الآلُوسِيّ فِي وُرُودِ قِرَاءَةٍ عُزِيْت إِلَى أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ عَلِيّ بنِ أَبِي طَالِب بِالبِنَاءِ للمَعْلُومِ. انظر معجم الأخطاء الشّائعة، مكتبة لبنان ناشرون، ص 271.
    وَذَهَب إِلَى تَخْطِئَةِ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ الأسْتَاذ صلاح الدين زعبلاوي. انظر معجم أخطاء الكُتَّاب، دار الثقافة بدمشق، ط1\2006م، ص 674.
  14. 14. مجمع البيان. الفضل بن الحسن الطبرسي. دار المعرفة\لبنان\ط1\1986. مج1\589
  15. 15. الكشاف للزمخشري. مكتبة مصر\مصر. 1\255. إملاء مامنّ به الرّحمن لأبي البقاء العكبري، دار الفكر\بيروت\ط1993. ص105 تفسير البيضاوي. دار الكتب العلمية. بيروت\ط3\2006م. 1\126، وفي روح المعاني للألوسي. دار الكتب العلمية. بيروت\ط2\2005م. 1\542.
  16. 16. التفسير الكبير. الفخر الرازي. دار إحياء التراث العربي\بيروت\ط1\2008. 2\465.
  17. 17. قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم \59\ لعام \1953. ومذكرته الإيضاحية المعدل بالقانون رقم \34\ لعام \1975. وأسبابه الموجبة معدلا و مضبوطا على الأصل. دار الصفدي\دمشق\ط1\20006م.
  18. 18. أحكام الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية على وفق مذهب أبي حنيفة. عبد الوهاب خلاف، دار القلم\الكويت\ط2\1990م. ص 168.
  19. 19. قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم\188\ لسنة \1959\ وتعديلاته.
  20. 20. قَانُون الأَحوال الشّخصية اليمنيّ بالقانون رقم \20\ لِسنة\ 1992م.
  21. 21. وفي هذا القسم اختلافٌ وجدلٌ. انظر كتاب التأثير المسيحي في تفسير القرآن. د مصطفى بوهندي. دار الطليعة\بيروت\ط1\2004م. ص182.
  22. 22. بتصرف. الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، للدامغاني 1\194. المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية\مصر\2008م.
  23. 23. الوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز، 2\220.
  24. 24. فقرات دفاع توضيحية ص 5.
  25. 25. منها كتاب البرهان في علوم القرآن للزركشي. المكتبة العصرية\صيدا\ط1\2004. 3\95.
  26. 26. فقرات دفاع توضيحية ص 5.
  27. 27. كشّاف اصطلاحات الفنون، للتهانوي، مكتبة لبنان ناشرون.ط1\1996م. المعجم الفلسفي. د جميل صليبا. منشورات ذوي القربى،ط1. موسوعة مصطلحات التصوف الإسلامي. د رفيق العجم، مكتبة لبنان ناشرون ط1\1999م.
  28. 28. المسؤولية الجنائية في تحديد لحظة الوفاة. د محمود طه. أكاديمة نايف العربية\الرياض\2001م.
  29. 29. فقرات دفاع توضيحية ص 2 ـ 3.
  30. 30. لسان العرب.
  31. 31. العَدل الإلهيّ والتناسخ ص ( 223 ) السطر (20). جُمْلَة: (( لا بُدَّ مِنَ التّنبيه إِلَى )).
    ص ( 347) السطر ( 10) . جُمْلَة: (( لا بُدَّ مِنَ التّنبيه إِلَى )).
    ص ( 378 ) السطر (23). جُمْلَة: (( وقبل ذلك ننبه القارئ )).
    ص (431) السطر (15). جُمْلَة (( تنبيه القارئ إلى )).
  32. 32. فقرات دفاع توضيحية ص 6.
  33. 33. العدل الإلهي ص 502. وكلمة الدكتور الزحيلي من ص 493 إلى ص 501.
  34. 34. العدل الإلهي ص 502.
  35. 35. أوهام المؤلفين في أحوال العلويين ص 346.
  36. 36. فقرات دفاع توضيحية ص 9.
  37. 37. السلفية مرحلة زمنية مباركة في رأي الدكتور محمد سعيد البوطي، والسلفية منهاج باق إلى يوم القيامة في رأي الدكتور مفرح القوسي.
  38. 38. السَّلفيّة، دار الفكر\دمشق، ط1 1988م. ص 231، 232، 235، 236، 237.
  39. 39. السفية الوهّابية. حسن السقاف. دار الإمام الرواس\بيروت\ ص 19.
  40. 40. المنهج السلفي. د مفرح بن سليمان القوسي، دار الفضيلة \الرياض\ط1\2002م ص 41.
  41. 41. مَن السّلفيّون ولماذا يخافون السلفية. د عبد العزيز العتيبي. دار الإبانة\ الري\ط1\2008م. ص 10.
  42. 42. كتاب الإمام الشيخ سليمان الأحمد ص 147. دار الفرقد\دمشق، ط2\2010.
  43. 43. المادة (134) من قانون أصول المحاكمات السوري.
  44. 44. ملحمة الوفاء ص 34 ـ 35.