شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

الجُمُعَة 3 تمّوز

©copyrights www.alawiyoun.com
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
مُوْجَزُ خُطْبَتَي الجُمُعَة 3\ تموز \ 2015.
الخُطْبَةُ الأُوْلَى: جَعْلُ الصِّيَامِ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى.
وَفِي الخُطْبَةِ الآخِرَة: أَقْسَامُ الصَّومِ، صَومُ القَلْبِ عَنِ الآثَامِ، وَصَومُ اللِّسَانِ عَنِ الغِيْبَةِ وَالنَّمِيْمَةِ، وَصَومُ البَطْنِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

  الخُطْبَةُ الأُوْلَى:
  ...لكُلِّ عملٍ نيّةٌ وكُلُّ إنسانٍ يُجزى بحَسَبِ نيّتِهِ إن كانت خرجت من ضميرهِ إلى جوارحه ففعلها، فإن كانت خيراً فإنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى يُثيبُهُ على نيّته وعلى فِعْلِه، وإنْ كانت شرّاً ولَم يُخرِجها إلى الفِعل، فإنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى يغفر له برحمته لأنّهُ يُحاسبه على ما يفعل.

  إذا كان قد أضمَرَ الخَير فلم يُيَسَّر له فإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يكتُبُ له ثَوابَ ذلكَ الخَير كما لو كانَ فَعَلَهُ، وإن كانَ نَوَى أو أضمَرَ شرّاً ثم تعذّرَ عليه ولَم يُيَسَّر له أن يفعَلَهُ فإنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى لا يُعاقِبُهُ بذلك الفِعل لأنّهُ لم يخرُج منه ولا يُحاسبه عليه لأنه لم يُؤذِ به أحداً.

  فالنيّةُ عِمَادُ كُلِّ شيء.

  إذا نَوَى أحدٌ أن يعمَلَ عملاً لوجه الله سُبحانه وتعالى ثمَّ خالطهُ شيءٌ من حُبّ الدنيا فأخرجَ ذلك العَمَل من أن يكون خالصاً لوجه الله، إنّهُ إذا كان فِعلُهُ ذلك تعمُّداً يُريدُ أن يَكْسَبَ به مَحْمَدَةَ النَّاس وشُكرهُم فالله سبحانه وتعالى أعلمُ به، وإن كان قد فُرِضَ عليه أمرٌ لم يستطع أن يتجاوزهُ فاللهُ سبحانه وتعالى أعلمُ به.

  الذي ينبغي أن نعرفه أنَّ لكُلِّ عملٍ نيَّةً وأنَّهُ لا قولَ إلاّ بعمل، على ما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ( لا قولَ إلاّ بعَمَل، ولا قولَ ولا عَمَلَ إلاّ بنيّةٍ، ولا قولَ ولا عَمَلَ ولا نِيَّةَ إلاّ بِإصابَةِ السُنَّة.) يعني أن يكون القول وأن يكون العمل وأن تكون النيّةُ التي تُنْوَى أصَبْتَ بها وكانت صحيحةً في سُنَّةِ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفيما يتّصلُ بها من السُّنَنِ والآثار.

  لا قولَ يُمكِنُ أن يُنسَبَ أو يُصَحَّحَ بعملٍ حتى تكونَ النيّةُ سابقةً للقولِ وسابقةً للعمل.
وكذلك لا يُعَدُّ القولُ صحيحاً، ولا يُعَدُّ العمل صحيحاً، ولا تُعَدُّ النيّةُ صحيحةً حتى تكون قد أصابت الحق وكانت في حق، لأنها إذا كانت في حقٍ خرجت إلى حق، وإذا كانت في سُنّةِ رسول الله وما يتّصل بها بقيت في هذه السُّنَّة ولم تخرج منها إلى غيرها.

  ولذلك إذا صام أحدُنا في هذه الشهر صوماً يُريدُ به شيئاً من الدُّنيا، فأوَّلُ شيءٍ طَعَنَ بهِ على صومِهِ أنَّهُ أخرجَهُ من المكان الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون فيه.

  كُلُّ العِبادات تكونُ إذا أرادَ الإنسان تأديَتَها كالصلاة أو كالحج أو كغيرها تكون بين النَّاس وتكون على مرأىً وعلى مسمع.

  الصوم هو العبادة التي لِطول مدّة الصِيام لا بُدَّ أن يكون فيها زمنٌ أو أن تكون فيها مُدّة يختلف بها الصائم عن غيره، لا يراه أحدٌ فيها. إذا كان يُريدُ أن يُصَلِّيَ فدخَلَ المسجد فقد جاء على أعيُنِ النّاس، وإذا ذهب إلى الحَج ذهبَ على أعيُنِ النَّاس، وإذا أنفَقَ من ماله قد يُنفِقُ علانيَةً، وإذا أرادَ الصَّوم فهو لا يُخالطُ الناس كُلَّ يومٍ إنّما في بعض يومِهِ فلا بُدَّ أن تكون له مُدَّةٌ أو زمنٌ يخلو فيه، ذلك الزمن الذي يخلو فيه هو الذي يُحَدِّدُ إن كان صِيامُه لله عز وجل أم كان للناس.

  إن كان صام يبتغي بذلك وجهَ الله خالصاً عمَلُهُ من الرِّياء، لم يَصُم ليكون له من ذلك نصيبٌ من أن يُثنى عليه أو أن يُمدَح أنَّ فلاناً قد تَجَشَّمَ عَنَاءَ الصَّوم، ولا يُريدُ أن يكون في عمله شيءٌ يُخرجُهُ من الثواب الذي أراد الله سبحانه وتعالى له أن يكون.

  لذلك جاء مِن كُلّ العِبادات أنَّ الصوم لله وهو الذي يُجازي به مع أنَّ العبادات جميعاً لله عز وجل حسابُها وحِسابُ الناس جميعاً ومآب الناس جميعاً إلى الله عز وجل، وعليه حِسابُهُم لكن للصوم الذي يُجاهدُ فيه الإنسان نفسه مُجتهدةً قد تُفسِحُ له أن يُصيبَ من غير الصوم، أن يُصيبَ من الدنيا من الطعام من الشراب من غير ذلك شيئاً، ثمَّ يُمسكُ عنه هو العبادةُ التي يكون فيها يقينُهُ خالصاً لله عز وجل، ويكون فيها عملُهُ خالصاً لله عز وجل.

  ولذلك جاء في الحديث (أنَّ مَن صامَ شهرَ رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدّمَ مِن ذنبِهِ وما تأخَّر).
من صامه إيماناً واحتساباً تصديقاً لوعد الله سبحانه وتعالى وتصديقاً لأمره، وتصديقاً لكتابه، وتصديقاً لنبيّهِ، وتصديقاً لسُنَّتِهِ ولما كان عليه من جاءَ من الأولياء ومَن جاء من الأئمّة. بهذا يكون صومُهُ لله عزّ وجل، واحتساباً أنَّه لا يُريدُ من أحدٍ شيئاً، لا يُريدُ من أحدٍ ثناءاً، ولا يُريدُ من أحدٍ شُكراَ، ولا يُريدُ من أحدٍ مدحاً، ولا حَمداً، إنّما يجعل عَمَلَهُ لله سبحانه وتعالى، يكون بهذا قد قال وقد عمِلَ وقد نَوَى وكُلُّ هذا قد أصابَ به سُنّةَ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

  إذا صام صوماً خالصاً من الرِّياء، أضمَرَ في قلبِهِ أنّهُ لا يُرائي بصومه فقد صار صومُهُ خالصاً لله عزّ وجلّ، وإن لم يكُن كان ثوابُهُ على مَن صامَ له.

  إنّهُ ما مِن أحَدٍ إلاّ وهو يُحِبُّ أن يُذكَرَ بالخَير، لكن على أن لا يتعَمَّدَ ذلك.

  وفي الحديث أيضاً (إنّما الأعمالُ بالنّيات، كُلُّ إنسانٍ وما ينوي، من كانت هِجرَتُهُ إلى دنياً يُصيبها، أو إلى امرأةٍ يَنكِحُهَا فهِجرَتُهُ إلى ما هاجَر إليه، ومَن كانت هِجرَتُهُ إلى اللهِ وإلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فهجرته إلى ما هاجر إليه).
كُلُّ إنسانٍ وما نَوَى وكُلُّ ناوٍ وما أرادَ وما رغِبَ والله سبحانه وتعالى أعلمُ بما تُخفي صُدور العِباد.

  الذي يجعلُ الصّومَ خالصاً لوجه الله هو أن لا يُرادَ به أحدٌ مِنَ النَّاس، ولا يُرادَ به شيءٌ من الثناء (صوموا على نيّة لله خالصة) يقول في هذا الشيخ عبد اللطيف ابراهيم رحمة الله تعالى ورضوانه عليه بأبياتِ يُعظِّمُ بها شهرَ رَمَضان في استقباله:

أهلاً بشهرٍ على كُلِّ الشُّهورِ علا   أهلاً بشهرٍ فيه القُرآن قد نَزَلا

  حتى قال فيه:

يا أيُّها النّاس إنَّ الله يأمُرُكُم بالصوم   فـابـتَـدِرُوا الطَّـاعـاتِ والعَـمَـلَ
صـومـوا على نـيّـةٍ للهِ خـالصـةٍ مِنَ   الـرِّيـاء تـنـالوا السُـؤْلَ والأمـلَ
صوموا تَصِحّوا كما قال الرَّسولُ لكم   إنَّ الصِّيامَ دواءٌ كَم شفى عِللا

  الذي خرجَ صِيامُهُ لم يُداخِلهُ ولم يُخالطه شيء ولم يورِد به غير وجه الله سبحانه وتعالى فقد غفر الله سبحانه وتعالى له بحُكمِ الحديث (ما تقدّمَ مِن ذنبِهِ وما تأخَّر).

  نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكُم ممّن خلا صومه من الرّياء، وممّن لم يُرد بعمله غير وجه الله سبحانه وتعالى.

  اللهم صلّ على محمد وآل محمد...

  الخُطْبَةِ الآخِرَة:

  ...كما كانَ للصوم عِلَل فيرى اللهُ سبحانه وتعالى بما بيّنها نبيّهُ صلّى الله عليه وآله وسَلّم، وبما بيّنها أهلُ بيته الطاهرين، كما كان للصوم عِلَلٌ منها أن يجد الغنيُّ مَسَّ الجوع ليتحنَّنَ على الفقير، لأنَّ الغنيّ كُلّما أراد شيئاً استطاعَ أن يُحضِرَهُ، فإذا صام فحينئذٍ يتساوى القادرُ والعاجز والغنيُّ والفقير والذي شَبِعَ والذي لم يشبَع، فالصوم عِبادَةٌ تُسَوِّي بين النّاس في كُلّ شيء في جوعهم وفي عطشهم، فالذي يملك المال كالذي لا يملِكُهُ يستويان لأنهما لا يستطيعان أن يتناولا من الطعام شيئاً مُدَّةَ النّهار، مُدّةَ الصِّيام، وبهذا يكون مِن عِلَل الصيام التي أرادها الله سبحانه وتعالى لخلقِهِ أن يتساوى النّاس، أن يُسَوّيَّ هنا بين غنيّهِم وبين فقيرهم، فهُم يأكلون في السَحَرِ في وقتٍ واحد ويُفطِرون عند مَغيبِ الشمس في وقتٍ واحد، لا فرقَ حينئذٍ بين من يملك المال وبين من لا يملِكُهُ.

  كذلك من عِلَل الصِّيام أنَّ الصائم إذا أَحَسَّ بذلك الجوع وبذلك العَطَش وذَكَرَ فيه جوعَ يوم القيامة وعَطَشَهُ -على ما جاء في حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم- تبيّنَ له أنَّ الصوم الذي يجبُ عليه: أن يُمسِكَ عن الغِيبَة وعن النَّميمة، وأن يُمسِكَ عن تناولِ الطَّعام وعن تناولِ الشراب، يوجِبُ عليه أن يكون صومُهُ في شهر رمضان وفي غيره،، إنّما يُذكّرُهُ ما يكون في شهر رَمَضان بما يجبُ عليه في غيره من الشّهور، يجبُ على المرء أن يُمسِكَ عن الخَوضِ في الباطل في شهر رمضان وفي غيره على ما جاء في كثيرٍ من الروايات.

  ولكنّ تفضيل هذا الشهر وتعظيم هذا الشهر لعِلَلٍ منها نُزُولُ القُرآن فيه.

  ومنها أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أرادَ أن يختبر وأن يمتحن صَبرَ خَلقِهِ فكان فيه ما كان مِن صِيام، يُقّيِّدُ المرءَ بأشياء يُجاهِدُ فيها نفسَهُ يجعلُ له الصيام على أقسامٍ كُلّما فَكَّرَ فيه هو في تعريفه كما جاء عن أمير المؤمنين عليّ بنِ أبي طالب عليه السلام (اجتناب المَحارم).

  الصيّام: اجتناب الحرام كما يمتنع الإنسان عن الطّعام والشراب، وهذا ليس مُقَيَّداً بشهرٍ واحدٍ ولا بيومٍ واحد، إنّما بالمُدّة التي يعيشُ الإنسانُ فيها، بِعُمُرِهِ بحياتِهِ أن يكون صائماً مُجتنباً ما حَرَّمَّ اللهُ سبحانه وتعالى عليه كما يجتنب في الصَّيام الطعام والشراب، عليه أن يكون في غير الصيام مُجتنباً ما حَرَّمَ الله، مُمتنِعاً عمّا حَرَّمَ الله سبحانه وتعالى عليه.

  صِيام البطن عن الطعام والشراب، وصِيام اللسان عن الغِيبَةِ وعن النميمةِ وعن الأذى، وبقيَ صِيامُ القلب، كما جاء عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام هو (أن يمتنع عن الفِكْرِ في الآثام).

  يقول أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام (صِيامُ القلب عن الخَوضِ في الآثام أفضل مِن صِيام البطن عن الطّعام، وصِيام القلب أفضل من صِيام اللسان، وصِيامُ اللسان أفضلُ من صيام البطن).

  إذا أمسَكَ القلبُ عن التَّفَكُّر في الآثام وعَن النِّيّات غير الصالحة فإنّهُ يقضي بذلك أن لا يكون على اللسان شيءٌ من القبائح.

  إذا أمسَكَ القلب عن الخوض في الآثام وعن الأعمال التي تُكسِبُهُ الذُّنوب فإنَّ هذا يقتضي أن يكون اللسان خالياً من الألفاظ الشنيعة ومن الكلمات العَوراء، لا يجري فيه شيء من اللفظ القبيح، لا يغتاب مُسلماً ولا يُؤذي مُسلماً ولا يجعلُ من النميمة ذريعةً يصِلُ فيها إلى ما يُريد وإلى ما يُحِبّ، بعد هذا يكون صِيامُ بطنِهِ عن الطَّعام والشراب من أجل التذليل وكَبْحِ جِمَاحِ النّفس التي تقوى، والتي تستعين بكثرة الأكل والشرب على ارتكاب المعاصي، فـــــ (صِيامُ القلب خيرٌ من صيام اللسان، وصيام اللسان خير من صِيام البطن عن الطعام والشراب).

  وهذا الذي أراد اللهُ سبحانه وتعالى مِن عِبادِهِ أن يكونوا في صومهم ممّن صامت بُطونهُم، وممّن صامت ألسنتُهُم، وممّن صامت قلُوبُهُم.

  إذا صامت بُطونهم عن الطعام والشراب وذكّرتهم بجوع يوم القيامة وذكرتهم بعَطَشِهِ، وذكّرتهم بالفقير الذي لا يملِكُ ما يستطيعُ أن يُحضِرَ به طعاماً يأكُلُهُ ، ولا يستطيعُ أن يُطعِمَ أولادهُ! إذا ذكّرهُم هذا الجوع بما يُحِسُّ به ذلك الذي لا يملك المال فقد أصابوا من الصِّيام منزلةً كبيرة، وقد بَلغوا من الصيام حظاً عظيماً، أنّه ذكّرهم وجعلهم يشعرون بما لم يكونوا يشعرون به في غير صومهم.

  ذكّرهم الإمتناع عن الطعام والشراب وهم يمتنعون عنه ليُجاهدوا أنفسهم أنَّ هُناك من امتنع عن الطعام والشراب لأنه لا يجده، لأنه لا يجد شيئاً يأكُلُه، هو ربّما لا يملك ثمن الخُبز الذي يُريد أن يشتريَه ليأكُلَه! هو ربما لا يستطيع أن يجد من الطعام شيئاً.

  هذا الذي إذا صام أحدُنا وذّكّرّهُ فقد أصاب مِن صِيامه ما أراد الله سبحانه وتعالى له، وأنّهُ إذا صام لسانُهُ عمّا أمرَ الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر ليُعَوِّدَهُ الصيام عمّا أراده الله في غير ذلك من الشهور، صام عن الغِيبة وعن النميمة وعن الأذى فقد بَلَغَ مِن صيامه مَبلغاً عظيماً على ما أراده الله سبحانه وتعالى له أن يكون.

  فإنَّ الصيام على ما هو مشهور ومعروف بكُتُب اللغة العربية وفي كتب الحديث النبويّ وفي غيره أنّه ليس من الطعام والشراب فقط (فإذا صُمتُم فاحفظوا ألسنتكم وغُضّوا أبصاركم)، وإلاّ الذي يصوم ويغتاب، أو الذي يصوم ويتّخذ النميمة سبيلاً إلى الأذى فإنّهُ لم يَصُم، إنّما امتنع عن الطعام والشراب لكنّه أكل لحوم الناس! والذي يدُلّ على هذا في كثير من الأحاديث (كيف تكونين صائمةً وقد سَبَبتِ جاريتك؟) أو أحضر رسول الله ص وآله امرأتين أحدُهما تدّعي أنّها صائمة وقال لها قيئي دماً فَقَاءَت دماً لأنها قد اغتابت.

  فالصيام الذي لا يحفظُ فيه الإنسان لسانه، ولا يحفظ فيه بطنَهُ من الطعام والشراب، هو صِيامٌ ناقصٌ عمّا أراد الله سبحانه وتعالى. الذي لا يحفظُ فيه قلبه عن الخوض في الآثام هو صِيامٌ ناقصٌ عمّا أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون من الصيام.

  إذا اجتمع ذلك فصام القلب وصام اللسان وصام البطن عن الطعام والشراب فقد بلغ الإنسان من صومه المبلغ الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون له في الصّيام.
إذا أحَسَّ بالعَناء الذي يجعلهُ يَرِقُّ على من لا يملِكُ من الدنيا شيئاً فقد أصبح في أوّل درجات الصيام.

  ذلك الذي عَبَّرَ عنه كثيرٌ من العلماء ومن الأدباء وكان منه قول الشيخ حُسين سعّود رحمة الله تعالى ورضوانه عليه:

أشبِع النفس من عناء صيامك   لتذوق الإيمان في إسلامك
إنّما الصّوم حِكمَةٌ تبعَثُ الرّحمة   في أصغـرَيـك طيلـة عـامـك

  نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممّن بعضَ الله سبحانه وتعالى الرّحمَةَ في قلوبهم وممّن شرح صدورهم لقرآنِهِ وممّن جعل صيامهم خالصاً لوجهه، اللهم اجعلنا في شهرك هذا ممّن يُحَلِّلُ حلاله وممّن يُحَرِّمُ حرامه وممّن يجتنب الآثام، وممّن يخرُجُ منه بريئاً من الغِيبَةِ ومن النَّميمة، اللهم اجعل قُلوبنا خاليةً من الحِقد ومن الحسد، واجعل ألسنتنا يا رب العالمين قد اجتنبت كثيراً من الغِيبَةِ ومن النَّميمة ومِنَ الأذى، واجعَل أيديَنا يا رب العالمين نظيفةَ من دِماء الناس، لا نغتابُ ولا نُؤذي ولا نمُدُّ أيدينا إلى ما ليس لنا بحق، واجعل يا رب العالمين صِيامنا هذا مقبولاً بفضل محمّدٍ وآل محمدكما تقبّلتَ الصلاة على مُحمّدٍ وآل محمد أن تتقبّلَ في هذا الشهر صَلاتَنا، وأن تتقبَّلَ صِيامَنا، وأن تتقبّلَ سُؤالنا وابتهالنا، وأن تجعل لنا هذا الشهر من خير الشهور، وأن تجعل لنا في هذا الشهر من كُلِّ تذكرةً ومِن كُلِّ موعِظَةٍ ومِن كُلّ رحمةٍ نصيباً.

  اللهم صلّ على محمد وآل محمد....