شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

الجُمُعَة 26 حزيران

©copyrights www.alawiyoun.com
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
مُوْجَزُ خُطْبَتَي الجُمُعَة 26\حزيران\2015.
الخُطْبَةُ الأُوْلَى: كَيْف يَتَبَاعَدُ الشَّيْطَانُ مِنَ الإِنْسَانِ بِالصَّومِ وَالصَّدَقَةِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَأدَبُ الصَّومِ بِكَظْمِ الغَيْظِ وَالإِعْرَاضِ عَنِ الأَذَى.
وَفِي الخُطْبَةِ الآخِرَة: تَذَكُّرُ خَطِيئَةِ آدَم وَكَثْرَةُ الاسْتِغْفَارِ الدُّعَاءِ فِي هَذَا الشَّهْرِ.

  الخُطْبَةُ الأُوْلَى:
  كُلُّ راغِبٍ في أمرٍ يبحَثُ عن طريق الوصول إليه، وكُلُّ راغِبٍ عن أمرٍ، يُريد اجتناب أمرٍ، فهو يجتهدُ في الذي يُبعِدُهُ عنه، وإذا قد أيقَنَ كُلٌّ مِنَّا أنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى حَذَّرَهُ كَيدَ الشيطان وحَذَّرَهُ غُرورَهُ، وحذّرهُ كيف يُوَسوِسُ إليه، وكيف يُريد أن ينقُلَهُ مِن عِزِّ طاعةِ الله إلى ذُلِّ مَعصِيَةِ الله.

  فإذا أراد أن يجتهدَ في عداوة ذلك الذي أمرهُ اللهُ عزّ وجلّ في عداوتِه، وأمرهُ أن يتّخِذَهُ عدوّا {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} فاطر\6.

  فإذا نَظَرَ كيفَ يُعاديه، وكيف يجتنبُهُ وكيف يتمكَّنُ منه، وكيف يبتعِدُ عنه، لئلاّ يَجِدَ سبيلاً إليه، أو طريقاً يُلقي فيه وساوسَهُ في صدرِه، فإذا نَظَرَ في هذا ليَعرِفَ السبيل إليه وَجَدَ في حديثِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يُخبِرُهُ به كيفَ يبتِعِدُ عنهُ الشيطان، وكيف يجتنِبُهُ.

  يقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما قاله لأصحابه: ألا أُخبِرُكُم بعَمَلٍ أو بشيءٍ إذا فَعَلتُمُوه تَبَاعَدَ عنكُمُ الشيطان كما تباعَدَ المَشرِقُ مِنَ المَغرِب، قال نعم يا رسول الله. قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (الصَّوم يُسَوِّدُ وَجهَهُ، والصَّدَقَةُ تَكْسِرُ ظَهرَهُ، والحُبُّ في الله، والمُؤازرةُ على العَمَل الصّالح يَقطَعُ دابِرَه، والإستغفار يقطعُ وَتِنَه، ولِكُلِّ شيءٍ زكاة وزكاةُ الأبدان الصِّيام).

  الذي يُريدُ أن يبتَعِدَ عنه الشّيطان كما تباعَدَ المَشرِقُ من المَغرِب فإنَّهُ إذا صام اسوَدَّ وَجهُ الشيطان، وإذا تَصَدَّقَ كَسَرَ ظَهْرَهُ، وإذا أَحَبَّ في الله وأعانَ على العَمَل الصّالح، فقد قَطَعَ دابِرَه، وإذا أجهَدَ نفسهُ في هذه الطاعة فقد زَكَّى بَدَنَه، والشيطان لا يدخُلُ بَدَناً زكياً، ولا يدخُلُ بَدَناً حافَظَ صاحِبُهُ على ذِكرِ الله عز وجل في الصلوات التي أمر الله سُبحانه وتعالى بها.
الصدقةُ تكسِرُ ظَهْرَهُ، وكيف يكونُ مَشهَدُ عدُوٍّ قد كُسِرَ ظَهْرُه، إنّهُ أعجَزُ بعدَ هذا من أن يُؤذيَ أَحَداً.

  الذي وَقَفَ على هذا فليتأمَّل أنّهُ إذا مَرِضَ أحَدُنا دَلَّهُ الطبيب ليَعرِفَ كيفَ يجتنِبُ أن يتفاقَمَ الدّاء، أو اجتهدَ في أن يَقِيَ نفسهُ قبل وُقوعِ الدّاء، أو دلّهُ على حِمْيَةٍ لا يجوزُ لهُ أن يخرُجَ عنها لأنّهُ إذا خَرَجَ عنها أَضَرَّ بنفسِهِ، فهُوَ يُبَيِّنُ لهُ الدّاء ويَصِفُ لهُ الدّواء لكي يتباعَدَ ذلك المَرَضُ عنه، فإذا أرادَ أن يُصيبَ شيئاً من الدُّنيا أو أرادَ أن يجتنبَ مَهْلَكَةً أو خَطَراً أو ضرراً أو أَذى فإنّهُ يسلِكُ الطريق الذي يَأمَنُ فيه المَهالِك، ويسلُكُ الطريق الذي يَضمَنُ فيه الوصول سالماً إلى بُغيَتِهِ وإلى مُراده.

  فالذي يُريدُ أن ينتصِرَ على عَدُوِّهِ الذي أمَرَهُ الله عز وجل بمُعاداتِه، والذي أهلَكَ ما أهلَكَ بوساوسِهِ مِنَ الأُمَم السابِقَة، عَدُوُّهُ الذي جعله الله عز وجلّ عدُوًّا لآدَم وعدواً لبني آدم. إذا أرادَ أن ينتصِرَ وأن يُصيبَهُ بشيءٍ يدفَعُ به شَرَّه ويَرُدُّ به كَيْدَه فعليه أن يصوم، وعليه أن يتصدّق، فإنّهُ إذا فعلَ هذا سَوَّدَ وَجْهَهُ، وإذا تصدّقَ كسرَ ظَهْرَهُ، وإذا أحبَّ في الله وأعان وساعَد ووازَرَ في العمل الصالح قَطَعَ دابِرَهُ، وإذا اجتهدَ فيما أُمِرَ به وزَكَّى بَدَنَهُ فقد مَنَعَهُ بفضل الله عز وجل أن يَصِلَ إليه.

  إذا أرادَ أن يصِلَ إلى هذه المنزلة فإنَّ لصومِهِ أدباً، لكُلّ شيء إذا أرادَ أحدُنا أن ينظُرَ في حدوده يجِد له حَدًّا لا يُستَحَبُّ أن يتعدّاه، فللصّوم الذي يُكمِلُ به المسلم ويتبيّنُ به الصائم عِلّةَ الصوم التي أمر سبحانه وتعالى بها وهو الرّزاقُ ذو القوّة المتين، وهو الغَنيُّ عن عِبادِه، إذا صام منهم صائمٌ فقد نَفَعَ نَفْسَهُ، وقد هَذَّبَ نفسه، وقد قَوّى جسدَهُ، وقد اقتربَ من صِحَّةِ جَسَدِهِ إذا أراحَ جَسَدَهُ في الوقتِ الذي يُمسِكُ فيه عن الطعام والشراب، وإذا أراحَ بَدَنَهُ أيضاً من كثيرٍ من أشياء كان يألَفُها قبل هذا الشهر.

  إذا أراد أن يبلُغَ بصيامِهِ أَدَبَ الصِّيام الذي جعله الله سُبحانه وتعالى ليذوقَ الإنسان مَسَّ الجوع، ليَجِدَ مَسَّ الجوع، ولِما فيه من تخشيع الأبصار ومِن تسكين الأطراف، ولما فيه من كبْحِ جِماحِ الأنفُس.

  إنَّ في سَمَاعِهِ شيئاً مِن الأذى أن يقول لمن آذاه، (أنا صائم، سلامٌ عليك لا أشتِمُكَ كما شتمتني) في هذه الكلمةِ التي يُضغَنُ بها غيظُ الصائم، ويبلُغُ مِن الصِّيامِ درجَةً لا يبلُغُها بالإمساك عن الطّعام والشراب إذا كان المُرادُ منه أن يكون على منزلةٍ بعيدةٍ وعاليةٍ في مُجاهدة نفسه، فما كان من المُستحَبِّ له أن يكون من الذين يجتنبون الغَضَبَ ما استطاعوا، ومن كاظمي الغَيظ في غير شهر رمضان، فإنّهُ زِيادَةً على ما مَضى يكونُ له في هذا الشّهرِ أن يُجارى من النار، على ما جاء في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :

  (ما مِن عَبدٍ صالحٍ يشتِمُهُ عبدٌ أو يُؤذيه أو يتعرَّضُ له فيقول: سلمٌ عليك إنّي صائمٌ لا أشتِمُكَ كما شتمتني، إلاّ قال الله تبارك وتعالى: استجار عبدي بالصّوم من شَرِّ عبدي فقد أجَرتُهُ من النّار.)
  استجار عبدي بالصّوم من شرّ من آذاه، أو مِن شرّ من أراد به شرًّا، أو أرادَ بهِ كيداً، أو أرادَ بهِ إساءةً، أو أرادَ أن يستفِزَّهُ، أو أن يُبطِلَ صَومَهُ، أو أن يُفسِدَ عليه أمرَهُ، فاستجار بالله عز وجل أنّي صائمٌ أُمِرتُ أن أَحفَظَ لِساني، وأُمِرتُ أن أَحْفَظَ بَصَري، وأُمِرتُ أن أحفَظَ يَدي أن تمتَدَّ إلى ما ليس لي بحَقّ، وأُمِرتُ أن أنزِلَ عن حَقّي إجلالاً للصيام الذي أنا فيه، وإحياءً لسُنّةِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولأبْلُغَ درجَةً مِن مُروءةِ أهلِ بيتِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين كانت مُرُوءَتُهُم (أن نَعفُوَ عَمَّن ظَلَمَنا وأن نَصِلَ مَن قَطَعَنا، وأن نُعْطِيَ مَن حَرَمَنا) مروءتُنا على ما جاء في كثيرٍ من أحاديثهم..

  فأوّلُ درجةٍ من درجات هذه المُروءَة أنّه إذا آذاك إنسان وأنتَ في صِيامِك أن تَعفُوَ عنه، وأن تسألَ الله عز وجَل أن يُتِمَّ لَكَ صَومَك، وأن يُسَلِّمَ لك ذلك الصّوم، لأنَّكَ أُمِرتَ بأن تَحْفَظَ لِسانَك، وأنَّ أوّلَ مَعنىً مِن مَعاني الصّوم على ما جاء في كُتُبِ اللغة العربية وما جاء في كثيرٍ من الأحاديث هو الصَّمت، أن يَحفَظَ الإنسانُ لِسانَه، ثُمّ نُقِلَ في الشّرع إلى الإمساك عن الطعام والشّراب.

  فاجتنابُ مُجادلةِ مَن يُؤذي أو مَن يشتِم، هي أوّلُ درجةٍ من درجات الصّيام.

  نسألُ الله عزّ وجَلّ أن يُبَلِّغَنا وإيّاكُم درجةَ الصّائمين، ومنزلةَ القائمين، وأن يجعلنا من الذين استغفروه في هذا الشهر الكريم فغفر لهم، ومن الذين إذا مَرُّوا باللغوِ مَرُّوا كراما...

  الخُطْبَةِ الآخِرَة:

  جاء في حديث أمير المؤمنين عليّ بنِ أبي طالب عليه السلام مُبَيِّنًا ما يجِبُ على المُسلِمِ في شهرِ رمضان، شهرِ البركةِ وشهرِ الخَير، وشهرِ الرّحمَة (عليكُم في شهر رمضان بكثرة الإستغفار، والدُّعاء. أمّا الدُّعاء فيُدفَعُ به عنكُمُ البلاء، وأمّا الإستغفار فتُمحى به ذُنُوبُكُم).

  أن يستغفِرَ الصّائمُ في هذا الشهر المُبارك، وأن يدعُوَ الله عز وجل على بَصيرَةٍ مِن أمرِهِ، وعلى جِهادٍ مِن نَفسِهِ، يعرِفُ كيف يَصِلُ بصَومِهِ إلى ثواب الله عز وجل، وأن يبقى له من صومِهِ ما يَجِدُهُ في آخِرَتِه، وأن لا يكونَ من الذين قيلَ فيهم: (كَم مِن صائِمٍ ليس لهُ مِن صِيامِهِ إلاّ الجوعُ والعَطَش، وكم مِن قائمٍ ليس له من قِيامِهِ إلاّ السَّهَرُ والعَناء، حبَّذا نومُ الأكياسِ وإفطارُهُم).

  الإستغفارُ في هذا الشّهرِ الكريم يعني أن يتذكّر الإنسان أنَّ من عِلل الصّيام زيادةً على أن يجِدَ الغَنِيُّ مَسَّ الجوع، وزيادةً على مافيه من كَبحِ جِماح الأنفُس، زيادَةً على ذلك أنّهُ يُذَكِّرُهُ بالخطيئةِ التي أُهبِطَ بها آدمُ من الجنّة، وأُلزِمَ بها بعدَ ذلك أن يستغفِرَ وأن يتوب.
ممّا جاء في بعضِ الأحاديثِ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّ آدَمَ لمَّا أَكَلَ مِنَ الشجرة بقيَ في بطنِهِ ذلك الذي أكَلَهُ، بقي مُدَّةَ ثلاثينَ يوماً. هذه المُدّةُ هي التي جُعِلَت بعد ذلكَ شهراً للصيام، لكي يتذكّرَ الإنسانُ بها الخطيئة التي كانت سبب الهُبوطِ مِنَ الجنّة وليتوب، ولتكُن تِلكَ الحالة هي كالحالةِ التي نُهِيَ فيها عن الأكلِ مِنَ الشجَرَة، ويكونُ الإنسانُ الصائمُ بعد هذا وبين يديه الطعام، وبين يديه الشراب، ليُختَبَرَ صبرُهُ، وليُمتَحَنَ احتِمالُه، هل يَصبِرُ ليُكمِلَ صومَهُ وبينَ يَدَيهِ مِنَ الطّعامِ والشراب ما يجِدُ سُهُولَةً ويُسراً في بُلوغِهِ، أيَصبِرُ على ذلك! أم أنّهُ تضعُفُ نفسُهُ وتغلِبُهُ فتَمتَدُّ يَدُهُ ليأكُلَ شيئاً من ذلك الطعام.

  من أجل ذلك فرض الله سُبحانه وتعالى في بعض الأحاديث كانت عِلَّةُ الصِيام في هذا الشهر لثلاثين يوماً أنَّ الذي أكلهُ آدمُ عليه السلام من الشجرة بقيَ لثلاثين يوماً.
فإذا تأمَّلَ مُتأمِّلٌ هذا الحديث ونَظَرَ لوجوب الإستغفار والدّعاء في هذا الشهر، تبيّنَ له أنَّ الله سُبحانه وتعالى حينَ كَرَّمَ هذا الشهر، وحينَ فَضَّلَهُ على غيره، فنهى فيه عن الأذى، وأوجَبَ فيه الإستغفار، وجَعَلَ للدُعاء ثواباً عظيماً، لم يكُن ذلك ليُنهى عنه في غيره من الشهور، ولكن لأنَّ هذا الشهر أُنزِلَ فيه القُرآنُ الكريم، ولأنَّ هذا الشهر كان سبباً لرحمة الناس في نُزول الوَحيِّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوجَبَ سُبحانه وتعالى فيه ذلك التعظيم.

  وكان مُستحَبَّاً من المُسلم ممّن يُريد أن يُعَظِّمَ نبيّهُ أن يُعَظِّمَ ذلك الشهر.

  إنّنا فيما هو دون ذلك من أيّامٍ نُعَظِّمُها ونُكرِمُها وإن لم تكُن في مَنزِلَتِها بمنزلة شهر الصِّيام، أو بمنزلة غيره من الأيام المُباركة.

  لَتَرَى أحَدَنا يهتمُّ بأيامٍ كثيرة كان له فيها نصيبٌ من الخير أو يسترجعُ ذِكرى أيّامٍ مَسَّهُ فيها شيءٌ من الضرر، فهو يحفظُ ويتذكّرُ الأيام التي فرِحَ بها، ويتذكّر الأيام التي يجزعُ بها، وهي دون ما أوجَبَ اللهُ سبحانه وتعالى في مَكانتِها وفي شأنِها، فيهتمُّ لها ويجتهِدُ في أن يُحيِيَها على ما يُحِبّ، وعلى ما تعارَفَ عليه النّاس، وإنّهُ ليُنفِقُ في أن يُطعِمَ وأن يُدخِلَ السرور في أيام وِلادة أبنائه، وفي ذِكرى يومٍ وطنيّ، وفي ذِكرى فقيدٍ له، فيجتهدُ في أن يستعدَّ لذلكَ اليوم من أجلِ أن يُكرِمَ به ذِكرى ذلك الأمر إذا كان فرحاً أو كان حُزناً أو مُصيبةً، فكيف إذا كان ذلك الشهر شهراً أُنزِلَ فيه القُرآن، وكيف إذا كان شهراً تُفَتَّحُ فيه أبوابُ السماوات للدعاء، وتُغَلَّقُ فيه أبوابُ النار، وكيف إذا كان شهراً فيه من الثَّواب ما لا يستطيعُ أن يتصوّرَهُ أحد، ألا يُستحَبُّ لإكرامِ هذا الشهر أن يزداد المرء في الإستغفار، وأن يزيد من الدّعاء، وأن يتذكّر كيف كان النَّهيُ في الجنّة، وكيف كانت عاقِبَةُ مُخالفة ذلك النَّهْي، أن يخرُجَ الإنسان من الجنّة التي جعلها الله سبحانه وتعالى له.

  ففي صِيامِهِ مِن مُجاهدة النفس، في عِلَلِ هذا الصِّيام ما إذا تبيّنَهُ ظَهَرَت له حِكمَةُ الله عزّ وجَل في هذا الصِّيام، وفي هذه الطّاعَة التي يُجاهِدُ فيها نفسهُ عن الطعام وعن الشراب وعن الشّهوات، وهو الجهاد الذي جعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الجهاد الأكبر.

  جعل جهاد العدوّ وجِهاد الذين يعتدون عليه جهاداً أصغَر، يوم قال (رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصغَرِ إلى الجِهادِ الأكبَر) جِهادُ النّفس، مُجاهدةُ النّفس، في مِثلِ هذه العبادات هي الجِهادُ الأكبر، فما أعظَمَ منزِلَةَ الصِّيام، وما أعظَمَ منزِلَةَ مُجاهَدَةِ النّفس، التي صارت أكبَرَ مِن مُجاهَدَةِ العَدوّ، أن تصومَ صِياماً تُجاهِدُ به نفسَكَ فأنتَ في الجِهاد الأكبر، وأن تستغفِرَ الله عز وجل، وأن تدعُوَهُ ليتقبَّلَ اللهُ ذلك الصّوم، وليُسَلِّمَكَ في شهرِهِ وليتسلَّمَهُ مِنك في يُسرٍ وفي عافية.

  ليتذكر كُلٌّ مِنّا ما يُذَكَّرُ به في كُلّ يوم أنَّ لهُ مَصيراً لا بُدَّ أن يَؤُول إليه، وليجتهد في أن يدعُوَ اللهَ سبحانه وتعالى بما دعاهُ به الأئمّةُ وما دعاهُ به الأولياء والصالحون..

  اللهم إنّكَ قُلتَ في كتابكَ وقولُكَ الحق: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} الأحزاب. وقلتَ وقولُكَ الحق: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} البقرة\152. فأمرتنا بذِكرِكَ ووعَدتَنا عليه أن تذكُرَنا تعظيماً وتفخيماً وإكراماً فها نحنُ قد ذكرناك كما أمرتنا، فأنجِز لنا ما وعدتنا، يا ذاكِرَ الذّاكرين، ويا أرحَمَ الرّاحمين، ويا ملاذ اللائذين، ويا معاذ العائذين، ويا مُنجِيَ الهالكين، ويا عاصِمَ البائسين، ويا راحِمَ المساكين، ويا مُجيبَ المُضطّرين، ويا مأوَى المُنقطعين، ويا مُغيثَ المُستضعفين، ويا مُجير الخائفين، ويا حِصنَ اللاجئين، صلّ على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واجعلنا يا رب العالمين من الذين قَبِلْتَ صِيامَهُم، ومن الذين رَضِيتَ عِبادَتَهُم، ومن الذين جعَلتَ لهُم نصيباً من رحمتك، ومن الذين أكرَمتَهُم برِضاك، ومن الذين شَمَلتَهُم بعفوِك، ومن الذين قَرَّبتَهُم إليك، ومن الذين كرّمتهم لديك.

  اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وبصلاتِكَ على محمد وآل محمد اجعل صَلاتَنا مقبولةً، واجعَل دُعاءَنا مُستجاباً، واجعل مُنصَرَفَنا من مَجلِسِنا هذا، ومن موقِفِنا هذا، وفي يومنا هذا، وفي ليلتِنا هذه، بشيءٍ لم ينصرف به أحدٌ من أوليائك الصالحين إلاّ غفرتَ له ذَنْبَه، وإلاّ يَسَّرتَ لهُ أمرَه، وإلاّ فَرَّجتَ كَرْبَه، وإلاّ مَحَوْتَ خَطيئَتَه، وإلاّ سَتَرتَ سَيِّئاتِه...