شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

عيد الأضحى الـمبارك في 25 أيلول 2015م (فيديو الخطبة والصلاة)

©copyrights www.alawiyoun.com
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
(خُطبتا وصلاة عيد الأضحى الـمبارك في 24 أيلول 2015م خطابةً وكتابةً)
  الخُطبةُ الأولى: الحكمة والغاية من عبادة الحج التي فرضها الله تعالى على عباده؛ وكيف يستكمِلَ الإنسان إنسانيّته بهذه العبادة؛ وقوله تعالى في سورة الحج {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}؛ وقد جعل الله الـمدَّة التي يتقرَّبُ بها الإنسان في هذا العيد من شعائِرِ الله لسببين...
  وفي الخُطبة الآخرة: لم يكُن الدين في يومٍ من الأيّام أداةً من أجلِ أن يُصبِحَ مطِيَّةً إلى الأذى؛ علة قول كثير من الناس بالفصل بين الدين وبين القوانين؛ إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ما أنزَلَ كِتابًا ولا بعثَ نبيًّا من أجل أن يُحَرِّضَ النَّاسَ على القَتل، ولا من أجلِ أن يجعلهُم مُفسِدِينَ في دُنياهُم، ولا مُحتَكِرينَ ولا مُسيطرين؛ ماذا فعل رسول الله (ص وآله) حين مُنع من أداء العُمرة في السنة السادسة للهجرة؛ الدّين هو آخرُ شيءٍ يبحثُ عنه أمثالُ هؤلاء الذين يمنعون الناس عن الحج وعن الصلاة وعن ذكر الله تعالى؛ كثيرٌ من الفِتَنِ ومِنَ الـمجازِرِ قامَت على أنَّها إعجازٌ لدين الله، وعلى أنَّها غَيْرَةٌ على شَريعَتِه، ثم تبيَّنَ بعدَ هذا أنّها ما كانت إلاّ من أجلِ الـمال أو من أجلِ السيطرة على بُقعَةٍ من الأرض وهذا ما فعله ابن تيمية حين أفتى بذبح الناس وكانت الحملة على لبنان؛ قول الإمام الصادق عليه السلام (مَن لم يَقدِر على زِيارتِنا فليزُر قُبور صُلَحاء أوليائنا يُكتَبُ له ثوابُ زيارتنا، ومن لم يقدِر على صِلتِنا فليَصِل فُقراء مَوالينا فإنَّهُ يُكتَبُ لهُ ثوابُ صِلَتِنا)...




  الخُطْبَةُ الأُوْلَى:
  ...أمّا بعدُ فالسلام عليكُم ورحمة الله وبركاته.

  كُلُّ عِبادَةٍ فرضها اللهُ سبحانه وتعالى إنّما فَرَضها لحِكمَةٍ ولغايَة، ومِنَ العِبادات: الحَجُّ الذي نقِفُ اليوم لنُصَلِّيَ الصلاة التي تَجِبُ فيه، صلاة عيد الأضحى وصلاة عيد النَّحْر.

  فرضَ اللهُ سبحانه وتعالى الحَجَّ كما فَرَضَ الصلاة، وكما فرضَ الصِّيام، وكما فرض الزكاة، وكما فرضَ هذه الحُدود من أجلِ أن يجتهِدَ الإنسان في مُجاهدةِ نفسه، وبأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى غَنِيٌّ عن أعمالِ عِبادِهِ، جعل الصلاة لما فيها من الخُضوع، وجعل الصيام لما فيه من الـمنافِعِ للجَسَد ولما فيه من تعويد الإنسانِ الصّبر وتحمُّلِ الـمشاقّ، وكذلك فرض الحج لما فيه أيضًا من الـمشاق، ولما فيه من بَذلِ الـمال، ولما فيه من التَّعَب، من أجلِ الوُصول إلى الـمكان الذي يَجِبُ على الـمحْرِمِ أن يَصِلَ إليه.

  وفي الحَجِّ ينبغي على مَن نواه وعلى من أرادَه أن يجتنِبَ أُمورًا شتّى، منها أن يجتنبَ الطِّيب، ومنها أن يجتنبَ النِّساء، ومنها أن يجتنبَ الصَّيد، كُلُّ هذه الأمور إذا نظر فيها طالبٌ أو تأمَّلَها مُتَأمِّل تبيّنَ أنّها تأديبٌ للنّفس، وتبيّنَ أنها تهذيبٌ لها.

  ليذكُرِ الإنسان إذا أرادَ الحَجَ فأحرَمَ فامتنعَ عن النساء أو امتنعَ عن الطّيب، ليذكُر بهذه الـمدَّة التي يقضي فيها حجّهُ، ليذكُر لذّات الدُّنيا، ولِيَذكُر ما أمرهُ الله سبحانه وتعالى فيه من اجتِنابِ الحَرام، وإذا كان حَرَّمَ عليه الفاحشَةَ ما دامَ حَيًّا فإنَّهُ يُذَكِّرُهُ بهذه الأيّام فيما وَجَبَ عليه، يُذَكِّرُهُ في عاقبةِ الطَّاعة وفي عاقبةِ الـمعصِيَة، ثم إنّهُ من نظَرَ في هذه الأمور تبيّنَ أنَّ فيها من الفوائدِ لبَدَنِهِ، وفيها من الفوائدِ لنفسِهِ ما لا يستطيعُ إحصاءَها، وكفى أنّهُ يتعوّدُ بهذا أن يتحمَّلَ الـمشاق، وكفى أنَّهُ يتعوّدُ بهذا أن يصبِرَ عن شيءٍ يُريدُهُ وهو لا يستطيعُ أن يصِلَ إليه، أو لا يتمكّنُ من بُلُوغِهِ.

  فما جعل اللهُ سبحانه وتعالى من العِبادةِ شيئًا إلاّ من أجلِ هذا، من أجلِ أن يستكمِلَ الإنسان إنسانيّته لا يختلفُ عن غيره ممّا خلَقَ الله إلاّ بأنَّهُ يستطيعُ أن يتقدَّمَ وأنَّ غَيرَهُ لا يستطيع بما مَلَكَ من العقل، وكما هو معلوم عند الجميع (فإنَّ كُلَّ مخلوقٍ سائِرٌ إلى أُفُقِهِ) إذا تقدّمَ إلى الأُفُقِ الذي يُصَيِّرُهُ كاملاً إلى إنسانيّتِهِ فقد فاز وقد ارتقى وقد حقّقَ بذلك اسمَ الإنسان.

  فما يُمَيِّزُ الإنسان إذا أردتَ تعريفَهُ عندَ الـمناطِقَةِ والفَلاسِفَة أنّهُ (حيوانٌ ناطِق) الذي يُفَرِّقُهُ هو النُّطقُ الذي جعلهُ الله سبحانه وتعالى لهُ من تمييزٍ وإدراكٍ عقليّ، وإذا تقدَّمَ في هذا الأُفُق وإلى هذه الوُجْهَة فإنَّهُ يتقدَّمُ إلى إنسانيّتِهِ التي أرادهُ اللهُ سبحانه وتعالى بها أن يكون خليفتَهُ في هذه الأرض.

  إذا نظر ناظِرٌ في سورةِ الحَج ووقفَ فيها عند قوله تعالى { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالـمعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الـمحْسِنِينَ (37)}.

  جعل الله سبحانه وتعالى هذه الـمدَّة التي يتقرَّبُ بها الإنسان في هذا العيد، جعلها من شعائِرِ الله لسببين:
  أوّلاً: أنَّ الإنسانَ بهذا يُخرِجُ من مالهِ شيئًا ويكون بإخراجِهِ هذا الـمال علامةً من علامات اليقين بأنّهُ سيُفارقُ هذه الدُّنيا، وسيترُكَ هذا الـمال وَرَاءَهُ لغيرِه.
  والأمر الثاني: أنّهُ حين يُطعِمُ الفقير والـمسكين والقانِعَ والـمعْتَرَّ يتذَكَّرُ جوعَهُ يومَ يجوع إذا رزقهُ الله عز وجل من الـمال شيئًا وأنفقهُ في سبيل الله، يتذكَّرُ يومئذٍ حاجتَهُ وينظُرُ في نفسِهِ ما يكون شعُورُهُ إذا كان هُوَ في هذا الـموقِف، أو في هذا الـموضِع، لا يملِكُ من الـمـال شيئًا وهو مِنَ العِفَّةِ لا يُريدُ أن يسأل فيأتيهِ اللهُ سبحانه وتعالى برِزقٍ على يدِ عبدٍ مِن عِبادِهِ، {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى}.

  مخافةُ اللهِ سبحانه وتعالى هي الغايةُ من هذه الأعمال ومخافتُهُ سبحانه وتعالى هي الحِكمَةُ من الحَجِّ ومِنَ الصلاة، هيَ الحِكمَةُ من كُلِّ عِبادةٍ فرضها اللهُ سبحانه وتعالى أو حثَّ عليها أو نّدَبَ إليها أو أمَرَ بها، والحَجُّ من هذه العِبادات التي يُجاهِدُ بها الإنسانُ نفسهُ، والتي يتقدَّمُ بها إلى أُفُقِهِ، أفُقِ الإنسانيّة.

  نسألُ الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيّاكُم مِمَّن قُبِلَت في هذا العيد أعمالُه، وممَّن رُفِعَت إلى الله عز وجل صلاتُه، ومِمَّن خَتَمَ يومَهُ وعيدَهُ بعملٍ صالح. اللهم صلّ على محمد وآل محمد.....

  الخُطْبَةُ الآخِرَة:

  ... أمّا بعدُ فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  ما جعلَ اللهُ سبحانه وتعالى ما بَعَثَ من أنبيائِهِ ومِن رُسُلِه إلاّ من أجلِ أن يُهَيِّئَ الإنسانُ ليكُونَ قادرًا على أن يُحدِثَ خيرًا في الأرض، ليكونَ قادرًا على أن ينفَعَ غيرَهُ وعلى أن يُحيِيَ هذه الأرض بما يُحدِثُ فيها من خير، وبما يُحدِثُ فيها من مَنافِعَ للناس، ولم يكُن الدين في يومٍ من الأيّام أداةً من أجلِ أن يُصبِحَ مطِيَّةً إلى الأذى، أو احتكارًا لشيءٍ من أشياءِ الدُّنيا، ولكنَّ النّاظِرَ فيما يراه في عملِ الإنسان وفي ميلِ فئةٍ من البَشر بطبعِهَا إلى الشَّر، باستعمال الدّين على ما فيه من تقديس وتعظيم من أجلِ مصلحةٍ دُنيويَّة.

  يقول كثيرٌ من النَّاس أنّهُ يجب أن يُفصَلَ بين الدين وبين القوانين التي يضَعُها البشر لأنَّ القوانين التي يضَعُها البشر تكون قوانينَ ملائمةً لأحوالهم ولتقدّمهم ولتطوّرهم ولما في كُلّ زمنٍ من أزمانهم، وعَصْرٍ مِن عُصورِهِم، ولذلك يجبُ أن يُفصَل بين هاتين، وأن يكونَ الذي يُفَرَّغُ من أجل دراسةِ هذا الأمر مُستقِلاً به بنفسِهِ، ليس له أن يُشارِكَ في أمرٍ آخَر. هذا أمرٌ ما زالَ الناس منذ زمنٍ بعيدٍ يقولونَ فيه وهو من أهَمِّ الأسباب التي أَدَّت إلى كثيرٍ من الإضطرابات، وأدَّت إلى كثيرٍ من الفِتَن، فهل كان هذا فِعلًا وحقًا وأمرًا من اللهِ سُبحانه وتعالى. هل وُضِعَ الدّين من أجلِ أن يُفسِدَ الطَّبيعة البشرية أم من أجلِ إصلاحِها!

  إذا كانت بعضُ الحَرَكاتِ قامَت من أجلِ أن تُصلِحَ شيئًا، فهل يعني هذا أنَّ في الدِّينِ خَللًا أم أنَّ في سُلوكِ الذينَ يُنظَرُ إليهم على أنَّهُم رِجالُ دين هُم الذينَ قد أَفسَدوا هذا الأمر، وهُم الذين جعلوه سبيلًا إلى أهوائهم، وهم الذين جعلوه مركَبًا إلى آرائهم.

  قامت كثيرٌ من الحَركات من أجل إلغاءِ سُلطة الـمـؤَسّساتِ الدينيّة وكان هذا أوَّلَ ما كان بإلغاءِ سُلطةِ الكنيسة في الـمـجتمع الـمسيحِيّ حتّى تَـخْرُجَ العلاقاتُ الإجتماعيّةُ عن سيطرة أحدٍ ممّن قد تمسّكَ بهذه السُلطَةِ أو كانت له.

  إذا نظر ناظرٌ في نُشوءِ الأُمَم، وإذا نظرَ في الحال التي تحدُثُ في العالـم علم أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ما أنزَلَ كِتابًا ولا بعثَ نبيًّا من أجل أن يُحَرِّضَ النَّاسَ على القَتل، ولا من أجلِ أن يجعلهُم مُفسِدِينَ في دُنياهُم، ولا مُحتَكِرينَ ولا مُسيطرين، ولكن من أرادَ أن يستخدم هذا الدين لما فيه من التَّعظيم، ولأنَّ كثيرًا من النّاس يُعَظِّمونَهُ ويُجِلُّونَه فهُوَ يميلُ إليه من أجلِ أن يجعَلَهُ مصلحةً ينتفِعُ بها في الدُّنيا.

  إذا رَجَعَ أحَدُنا إلى سيرةِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنَظَرَ وعَرَف أنَّهُ في السّنةِ السادسِة للهجرة كان يُريدُ العُمرة، كان خَرَجَ مُعتمرًا، فأرسل إليه مَن في قُريش أنّنا لن نأذَنَ لكَ أن تدخُلَ إلى مَكَّة، فأرسَلَ إليهم يُخبِرُهُم أننّي دخلتُ حاجًّا، دخلتُ مُعتَمِرًا، دخلتُ مُتَقَرِّبًا إلى الله وما جِئتُكُم في قِتال، فمنعوه أيضًا، فكان منه ما كان ممّا عُرِفَ بصُلحِ الحُدَيْـبِيَة، ونَحَرَ رسول الله وأَدَّى هذه الشعائرَ في الـمكان الذي رُدَّ فيه، لم يدخُل مكّة.

  إذا نَظَرَ ناظرٌ في الحال التي نحنُ فيها االيوم، هل كان فِعلُ هؤلاء طاعةً لله، وهل جعلَ اللهُ بيتًا يُعبَدُ فيه من أجلِ أن يكون بيدِ فِئةٍ من النّاس يأذَنونَ فيه لمن يُريدون ويمنعون مَن يُريدون؟!.

  كان أن رُدَّ رسول الله في السنة السادسة من الهجرة ومُنِعَ أن يدخُلَ إلى مَكَّة فأينَ العَجَبُ إذا مُنِعَت بعضُ الدُّوَلِ من الحَجّ كما وَقَعَ هُنا!
هل كان هذا الفِعل فِعلًا يُرادُ به إستصلاحُ النَّاس! هذا أمرٌ لا يخرُجُ عن كَونِهِ -إذا أردنا أن نَصِفَهُ بأحسَنِ الصِّفات- أنّهُ فِعلٌ قد بَرِئَ منه الأدب، وأنّهُ فِعْلٌ قد بَرِئَ منه اللهُ سبحانه وتعالى.

  الذي هيَّأ لهذه الدولة التي سيطرت على مَكَّة فمنعت الناس من الحَجّ إنّما قوَّاها ما في أيديها من الـمال، لو أنَّ هذا الـمال سُلِبَ أو لو أنَّ أحَدًا سيطَرَ على مَكَّة كما فَعَلَت ومَنَعَ النَّاس من الحَج لسقطت القُوَّةُ التي تعتمدُ عليها. إنّما هي قامت على هذا من أجلِ أن توهِمَ النّاس أنّها بهذا الفِعل ولِما لهذا البيت من الرّمزيّةِ عند الـمسلمين وفي العالـم أنّها هيَ التي تُدَبِّرُ وتُديرُ شُؤونَ الـمسلمينَ جميعًا!.

  هل كان هذا الفِعلُ مِمَّا يُرضي؟! إذا كان أحدٌ يُخالفُكَ في الرَّأي فهل تمنَعُهُ أن يدخُلَ إلى الـمسجِدِ مِن أجلِ الصلاة؟! هل تمنَعُهُ أن يَذْكُرَ رَبَّهُ؟! هل جعلَ الله سبحانه وتعالى لكَ هذا البيت دون غَيرِكَ مِنَ الناس؟!

  إذا نَظَرَ أحَدُنا في هذا وعَلِمَ أنَّ الأمرَ لا يَعْدو أن يكونَ أمرَ مُلْكٍ وأَمرَ سُلطَةٍ وأمْرَ هَيْمَنَةٍ، تبيَّنَ له أنَّ الدّين هو آخرُ شيءٍ يبحثُ عنه أمثالُ هؤلاء، ولكن لما لهُ من الـمكانة في نفوس الناس وَجَبَ أن يستعملوه وأن ينتخبوه أداةً للوصول إلى ما يُريدون.

  كثيرٌ من الفِتَنِ ومِنَ الـمجازِرِ قامَت على أنَّها إعجازٌ لدين الله، وعلى أنَّها غَيْرَةٌ على شَريعَتِه، ثم تبيَّنَ بعدَ هذا أنّها ما كانت إلاّ من أجلِ الـمال أو من أجلِ السيطرة على بُقعَةٍ من الأرض، أو سمِّها كيفما سَمَّيتَها، إنّها ترجِعُ إلى الـمال، إلى حرب الدِّينار والدِّرهَم، إذا أردتَ أن تصِفها اليوم تقول إنّها حربُ اقتصاد.

  لقد كُنَّا نظُنّ أنَّ ابنَ تَيْمِيَة أفتى بذَبحِ الناس يومَ قُتِلوا، وكانت الحَملَةُ على لُبنان أنّها كانت من أجل مَنعِ الفَسادِ في الأرض! ثمّ تبيّنَ بعدَ هذا أنَّ الأرضَ كانت صالحةً بزراعةِ مادّةِ القُطن فأرادوا إجلاء أهلها فأرسلوا إليهم بهذه الفَتوى فقُتِلَ مَن قُتِل، وكذلك اليوم عند من لا يعرِفُ لللإنسانيّةِ شيئًا غير الـمفهوم الـمادي.

  إذا مُنِعَ النَّاسُ من الحَج فليذكُروا أنَّ رسول الله مُنِعَ من الحَج، وما دخلَ مُقاتِلاً على هؤلاء من أجلِ أن يُجبرهم على أن يأذنوا له على أن يدخُلَ مكّة،َ إنّما نَحَرَ وحَلَقَ في الـمكان الذي كان فيه.

  يقول الإمام الصادق عليه السلام (مَن لم يَقدِر على زِيارتِنا فليزُر قُبور صُلَحاء أوليائنا يُكتَبُ له ثوابُ زيارتنا، ومن لم يقدِر على صِلتِنا فليَصِل فُقراء مَوالينا فإنَّهُ يُكتَبُ لهُ ثوابُ صِلَتِنا).

  إذا مُنِعَ أحَدُنا أن يفعَلَ ما رأى فيه الحَقَّ وفيه الثواب فلا يلتفِتَنَّ إلى مَن مَنَعَهُ، لأنَّهُ إن كان يُريدُ وجه الله سبحانه وتعالى فقد كذب، وإن كان يُريد غيره فما لكَ وما لهُ لتُجادِلَهُ في أمرٍ هوَ لا يهتَمُّ به ولا يلتفِتُ إليه.

  نسألُ اللهَ سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيّاكُم ممّن قد شرحَ للإسلام صَدرَهُ، ومِمَّن قد أحيا بالإيمان قلبَهُ، وممّن قد جعل القُرآنَ له دليلًا وهاديا، ومِمَّن أراهُ الحَقَّ حقًّا ورَزَقَهُ اتّباعَه، وأراهُ الباطِلَ باطِلاً ورَزَقَهُ اجتنابَه...