تمهيد

أُضيف بتاريخ الثلاثاء, 12/10/2010 - 17:40

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لقد أسلفنا فيما تقدّ أنّ السبب الوحيد الموجب لتأليف هذا الكتاب هو الرد على ما ذهب عليه علماء المادة 1 الزنادقة من الإلحاد والجحود لوجود الخالق عزّ وجلّ مع عدم وجود النفس الإنسانية حيث يكون دستوراً للشباب المثقف والنشئ الجديد وجيلنا الفتي الظامئ إلى العلم احترازاً من أن تتسرّب إليه العدوى وتتغلب عليه الفوضى فيصبح قلعها وإبادتها عسرة جداً.

وبناءً عليه أقول:

أنّ مذهب الماديين قديم يَرُدّ كل شيء إلى المادة وقِواها ومظاهرها المختلفة حيث لا يعتقد شيئاً وراء المادة وهو يقوم على أربع قواعد كبرى وهي: التولد الذاتي - والإرتقاء - وتنازع البقاء - والإنتخاب الطبيعي.
ومع ذلك يفرض أنّ هذا الكون قد وُجِد بالصدفة 2 وأنّ الأحياء تولدت ذاتياً وتَفُرّق أنواعها كان بحسب إرادة كل منها واكتساب معيشته وإنّ أجزاء الحي لا توجد كاملة دفعة واحدةعند التحوّل.

ويقولون أنّ الأحياء تولدت ذاتياً أي ذات واحدة وإنما اختلفت صورها وأشكالها بإرادتها. مثلاً:
الحية كانت على شكل الحيوان ذوات الأربع وحيث أنها فضلت الدخول في المنافذ الضيقة أرادت أن تكون على هذا الشكل فصارت مستطيلة بالتطور والإرتقاء وكذلك الخلد يقولون أنه كان له عينان وحيث لا حاجة له فيهما لكونه تحت الأرض حيث لا ينفذ إليه الشعاع لذلك أراد أن يكون بلا عينين فتحوّل إلى ما أراد.
ومثل ذلك الإنسان إذ يعتقدون أنه من فصيلة القردة وغيره من الحيوان وعلى هذا القانون بُنيَ قانون الإنتخاب الطبيعي وقالوا أنّ القوة والمادة لا تنفصلان البتة ولا نعلم بمادة مجرّدة عن كل قوة أو حركة ولا قوة ولا حركة مجرّدة عن كل مادة لأن المادة والقوة قديمتان ولا فاعل في الكون سواهما لأن الحركة والقوة لا توجدان بدون وجود المادة 3 والمادة لا توجد بدون وجودها.

ويقول الماديون أنّ هذا العالم موجود بنفسه وبلا صانع, الحيوان من نطفة والنبات من البذرة وكذلك كان وكذلك يكون أبداً.

وقالوا أنّ كل قوّة من قوى العقل والنفس وكل حب وعاطفة وإحساس إنما مرجعه إلى النسيج العصبي والدماغ وليست هذه الأفعال شيئاً مستقلاً بنفسه بل يتبع النظام المادي سائر وظائف الجسد من دورة دموية وهضم ونحوهما. 4

ويقولون أنّ كل قوة معنوية لا تستغني عن كائن حي تصدر عنه وتقوم به فلا يكون تكهرب بدون جسم مكهرب ولا جاذبية بدون أجسام متجاذبة ولا حرارة بدون جسم حار ولا حياة بغير كائن حسي ومن ثم لا يكون إحساس ولا تعقل بغير مصدر مادي يصدر عنهما فيكون الإنسان على هذا التقدير في كيانه الحسي والعقلي سلسلة طويلة تتألف من حلقات الكائنات الحية حتى أصغرها وأحقرها غير أنّ حلقة الإنسان أعظمها وأرقاها. 5

ويقولون أنّ الروح مؤلفة من أوكسجين ونتروجين كما يتألف الجسم مستندين على ضعف القوى العقلية بضعف الإنسان عندما يضعف الدماغ كما لو بلغ المرء سن الشيخوخة والهرم. 6

ويقولون في تعريف الإنسان :

الإنسان هو نسيج من اللحم حول هيكل عظمي أو الإنسان هو مزيج على كميات وكيفيات معينة من ( الأوكسيجين والآزوت والهيدروجين والكربون ).
أو الإنسان هو ستة كيلوغرامات من العظم وخمسة عشر كيلو غرامات من الألبومين والألياف وستين كيلو غراماً من الماء.
أو الإنسان هو كتلة أعصاب 7 ويقولون أننا لا نصدّق إلا ما يقع عليه حواسنا من سمع وبصر وغيرهما من الحواس وبناء على ذلك لا يمكننا التصديق بروحانية (النفس) ولا بوجود إله غائب غير موجود.

الماديون 8 يقولون أن الإلهيين يستدلون على إلههم بشواهد مُعيَّنة وليس ببراهين قاطعة.
وقال الإلهيون - وهذا من وجهة نظرهم - يعني عدم وجوده تعالى إنهم يَردُّون على الأدلة الكونية بقولهم ( أنّ المادة والطاقة يتحوّل كل منهما إلى الآخر بحيث يمكن أن يكون الكون بذلك أبدياً) كما أنهم يُنكرون النظام في الكون (فيَرَونه مُجرد وَهْم) وهكذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والإتجاه نحو مُوَجِّه أعظم ومع ذلك لا يستطيعون أن يُقيموا دليلاً واحداً على عدم وجود الله تعالى ومن منطقهم ( أنّ الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظره).

وهنالك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون لأنهم لا يرونه ولكنهم لا ينفون وجوده (إله ) في كون أو عالم آخر غير هذا الكون ولا شك أنّ هذا موقف متضارب لا يستند إلى أساس سليم لأن المؤمن يُقيم إيمانه على البصيرة 9 والملحد فيُقيم إلحاده على العمى, فالمؤمن مقتنع أن الإيمان يقوم على العقل وأن العقل يدعو للإيمان.

  • 1 للمادة أسماء باعتبارات: فمن جهة توارد الصور المختلفة عليها تُسمّى ( المادة وطينة ) ومن جهة استعدادها للصور ( قابل وهيولى ) ومن جهة التركيب يبتدئ منها ( عنصر ) ومن التحليل ينتهي إليها ( أستقصي ) .
  • 2 قال العلامة ( موتسكير الفرنساوي ) أنّ الذين يقولون أن صدفة محضة قد برأت كل المواد التي نراها في هذا الكون إنما هم في ضلال مُبين - لأنه أيّة ضلالة أعظم من الإعتقاد بإبداع الصدفة المحضة مخلوقات عاقلة.
  • 3 قولهم أنّ الحركة والقوة لا يوجدان بدون وجود المادة, والمادة لا توجد بدون وجودهما فهذا مما لا شك فيه لأنه الحركة عرض للمادة وقد ثبت في الحقيقة أن العرض لا بد له من جوهر يقوم به ناعتاً له كما أنه لا يُعقل وجود حركة من دون محرّك ولا وجود معلول بدون علّة فتقرر أن الحركة عرض للمادة التي هي الجسم والقابل للحركة هو الجسم وكل قابل للحركة لا بد له من محرّك فتعين أن ما وراء الجسم محرك أوّل وهو ( النفس ) وبهذا الدليل بطلان قول الماديين القائلين أنّ الحركة والقوة مصدرهما من المادة وأنه لا شيء ما وراء المادة.
    قال ( سبنسر ) إمام الماديين سائلاً نفسه بحيرة: ماهي القوة التي تحتّم ببقائها أهي القوة التي تؤثر في عضلاتنا والتي تشعر بها حواسنا بل هي تلك القوة المُطلقة المجهولة المُستقرة وراء الصور المشاهدة ونحن مع عدم إمكاننا إدراكها نتأكد أنها أبديّة لم تتغير وكل شيء زائل لكنها علة العلل الباقية إلى الأبد ( سبنسر ) ما أقرب هذا القول إلى الحقيقة لولا زعمه أن تلك القوة مصدرها من المادة.
  • 4 إنّ الكثير من الحكماء والعلماء صرّحوا بعجز المنهج العلمي المادي بدليل أنّ قوة الفكر في البشر لا تزال مصدرها مجهولاً وإنّ كل ما زعمه علماء المادة في هذا الموضوع وتوهموا أنهم أثبتوا صحته بالحجة والبرهان كان خطأ بخطأ.
  • 5 قولهم أنّ كُل قوة معنوية لا تستغني عن كائن حسي فهذا الزعم بحد ذاته غير مطرد شامل وذلك بدليل أن الحرارة والضوء مثلاً يتأتيان عن الحركة وليست الحركة جسماً, هاتوا العين وشَرِّحوها تشريحاً دقيقاً فهل يكشف لنا التشريح سر قوة البصر وهكذا عن الأذن وقوة السمع, كما أنّ فريقاً من كبار علماء ( الفيسيولوجيا ) أي علم وظائف الأعضاء اعترفوا بذلك صريحاً حيث أثبتوا وبرهنوا على أنّ الحياة لا يمكن أن تكون نتيجة تفاعل المواد بعضاً في بعض.
  • 6 إنّ ما ذكروا يدل على أنّ للدماغ في أثناء هذه الحياة علاقة بالعقل فهو أداة له مما لا يُنكره مُنكر ولكن ما ذُكر ليس برهان على أن محتويات الدماغ الحِسية هي قِوى العقل نفسها غير أن ضعف الدماغ في الشيخوخة لا يقترن به ضعف العقل دائماً فقد عهدنا الكثيرين من عظماء الفلاسفة والحكماء بلغوا شيخوخة قصِيَة فضعفت بها أدمغتهم كما ضعف غيرها من أجسامهم وبقيت عقولهم على قوتها ونشاطها بدليل ما أخرجوه للناس من ثمار قرائحهم وهم في ذلك التطور من العمر. فأنا قد جاوزت سن التسعين عاماً ولا زلت أشعر بضعف قواي الظاهرة والباطنة وقوة ونشاطاً في أنانيتي الخالدة.
  • 7 وأين هذا التعريف من تعريف الحكماء الإلهيين للإنسان القائلين أن الإنسان هو عقل يستخدم أعضاء الجسم وهو جزآن جوهري ومادي فالجزء الجوهري ( النفسي ) والجزء المادي ( الجسم ) والمادة بحد ذاتها شيء يقع التسلط عليه لا يقع التسلط منه على سواه وأما مصدر السلطة الحقيقي فهو ( النفس ) المستقلة بجوهرها عن المادة وإن ظهرت منها ظواهر ارتباط في بعض الأحوال فهذه الظواهر العارضة لا تضر شيئاً بذلك الإستقلال الجوهري.
  • 8 الماديون علماء المادة وهو علم قديم يَرُدُّ كل شيء إلى المادة وقِواها ومظاهرها المختلفة والمادة في اللغة أصل الشيء وحقيقته والمادي نسبة إلى المادة فلا يعتقد بشيء وراء المادة حتى يُنكر وجود الخالق عز وجل وتقدم هذا التعريف.
  • 9 البصيرة قوة للقلب المنوّر بنور القدس يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس ومنه دليل قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ ) الحج\3.
    وقال: ( وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يوسف\105.
    وقد اختصرنا البحث في تعريف الماديين الذي تشمئز منه النفوس وتقشعر منه الجلود وسوف نورد ما يدحض هذا التعريف بالحجج البالغة والبراهين الدامغة في الفصول الأتية إن شاء الله تعالى.