أما قضية عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقد أخذت حيزًا كبيرًا من البحث والجدال، وفيها الكثير من الغموض، وهذا باختصار ملخصها:
هذا الفعل لم يكن شكليًّا بل واقعًا وجوديًّا.
من الثابت في منهاجنا علم أمير المؤمنين المسبق بأن ابن ملجم قاتله.
لم يقدم أمير المؤمنين على قتله قبل الفعل لأن ذلك يتناقض مع العدالة فلا قصاص قبل الجناية، وهذا ثابت إجماعًا، وحين قال له بعض الأصحاب إن كنت تعلم أنه قاتلك فاقتله فأجابه قائلا ومن يقتلني.
فالإمام بما يعلمه من الغيبيات لا يمنع وقوع الحدث لتعلقه بالإرادة الإلهية والحكمة الربانية.
لم يكن ابن ملجم خارجيًا كما روّج بعض المؤرخين السطحيين بل كان مواليًا لأمير المؤمنين وهو الذي قال له حين بایعه:
السلام عليك أيها الإمام العادل، والبدر التمام، والليث الهمام، والبطل الضرغام، والفارس القمقام، ومن فضّله الله على سائر الأنام، صلى الله عليك وعلى آلك الكرام، أشهد أنك أمير المؤمنين صدقًا وحقًا، وأنك وصيُّ رسول الله صلى الله عليه وآله والخليفة من بعده، ووارث علمه، لعن الله من جحد حقك ومقامك، أصبحت أميرها وعميدها، لقد اشتهر بين البرية عدلك، وهطلت شآبيب فضلك وسحائب رحمتك ورأفتك عليهم، فبوركت بهذه الطلعة المرضية، وهنئت بالخلافة في الرعية.
ثم أنشد هذه الأبيات :
ثم قال: يا أمير المؤمنين، اِرْم بنا حيث شئت لترى منا ما يسرك، فوالله ما فينا إلا كل بطل أهيس، وحازم أكيس، وشجاع أشوس ورثنا ذلك عن الآباء والأجداد، وكذلك نورثه صالح الأولاد.
فاستحسن أمير المؤمنين عليه السلام كلامه من بين الوفد.
هذه الرواية شيعية المصدر فقد أدلى بها صاحب البحار، أما الرواية السنية فهي التي أوردها ابن الأثير في كتابه أسد الغابة الجزء الرابع قال:
لما حضر عبد الرحمن بن ملجم المرادي عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنشد قائلا:
إلى آخر أبياته فعجب الحاضرون من طلاقة لسانه وفرط علاقته بالإمام علي.
وذكر ابن حجر في الصواعق المحرقة قال: وروي أن عليًّا جاءه ابن ملجم يستحمله فحمله ثم قال رضي الله عنه:
ثم قال : هذا والله قاتلي. فقيل له : ألا تقتله؟ فقال : فمن يقتلني؟ انتهى.
فأمر ابن ملجم مسكوت عنه فلا نقول بحمده أو مدحه كما ذهب البعض بلا دليل قطعي، ولا نستسيغ ذمّه للأسباب السابقة والتالية:
أن أمير المؤمنين استوصى به خيرًا ونهى عن التمثيل به، وأمر بذلك الإمام الحسن حيث يقول:
إن أبق فأنا وليُّ دمي، وإن أفن فالفناء ميعادي، وإن أعف فالعفو لي قربة وهو لكم حسنة، فأعفوا (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) والله ما فاجأني من الموت وارد كرهته ولا طالع أنكرته…
فهذا موقفنا من ابن ملجم قاتل الإمام بعلم الإمام، فليس له تصنيف كما توهّم البعض من أنه من الممدوحين يوم القيامة! فلا أعرف من أين أتى بهذه المخرقة الغريبة! فعلم ذلك عند الله، ومن يعفُ عنه الإمام ويأمر بذلك فليس لنا أن نُطلق بحقه الأحكام، ولا أن نصنفه في مصاف العظام، بل نسكت عن الخوض في هذه الأحكام العلوية التي انفرد بمعرفتها أهل العصمة، وأنت تعلم أنّ الإمام يشفع لمرتكبي الكبائر، وإن الله يقبل شفاعته، لذلك نقف في المكان الذي أمرونا الوقوف عنه.
ثم إن نظرية الملعونين في الدنيا الممدوحين يوم القيامة غريبة عن منهاجنا ولم ترد في قطعياتنا! بل يوجد عكسها كما قيل في عمر بن عبد العزيز حين قضى نحبه قال الإمام الكاظم مات رجل بكته أهل الأرض ولعنته أهل السماء.
وكلمة (تخليص اللاهوت من الناسوت) فمن الخارج وردت، وعن لسان ابن تيمية الحراني اشتهرت، ومن المؤسف أن يعتمدها بعض أبناء البيت العلوي، فهي مصطلح لاهوتي عند المسيحيين ولم ترد في علم الكلام الإسلامي، فلا يُطلق على الروح اسم اللاهوت لأي من الأئمة المعصومين ، فمصطلح اللاهوت يتعلق بالذات الإلهية من دون اقتران بلفظ الناسوت لأن ذلك تجسيد لله وإدخاله في حيز التركيب، فكل كامل بغيره ناقص بذاته، وكل ناقص بذاته فهو محتاج وداخل في باب الحدوث.
وبالنتيجة فالقتل وقع، والإرادة الإلهية اقتضته، والفاعل مسكوت عنه، والحكم لله الذي له الإرادة المطلقة.
إنَّ القول أن عليًّا لم يقتل يتناقض مع كل المفاهيم ويزيل الكثير من المتعلقات التابعة والملازمة، فما الفائدة إذا من رواية صفوان الجمال عن المولى الصادق حيث دل الشيعة على موضع مشهد أمير المؤمنين بالغري، وكيف تستقيم إمامة الحسن بوجود أبيه، أو كيف جاز للإمام الحسن عينه قتل ابن ملجم إن كان القتل شكليًّا كما يرى البعض بعيني الجهل وأمور كثيرة تتولد عن هذا.
وأعتقد أن الموضوع لا يشترط كل هذا لواقعية الأحداث، وكما قلت فنفي الحدث لا يفيد في تعظيم الإمام، وتأويله يحرف مسار الأمور، وبالتالي فلسنا أهلٌ للتأويل بل له أهلٌ وهم الذين أخذوه من معدنه.
- 242 مشاهدة