شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

المَذْهَبِيَّةُ [... فَإِذَا كَانَتِ النّسْبَةُ عَلَى مَعَانٍ، جَازَ أَنْ يُسَمّى العَلَوِيُّ شَافِعِيًّا، وَحَنَفِيًّا، وَمَالِكِيًّا، كَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الحَنَفِيُّ عَلَوِيًّا، وَشَافِعِيًّا، مَعَ سَلامَةِ المَذَاهِبِ مِنَ التّغْيِيْرِ.]

©copyrights www.alawiyoun.com

  لَقَدْ سَبَقَ الأستاذ مُحَمّد عَلِيّ الزّعبي إِلَى التّوَسُّعِ فِي مَعْنَى كَلِمَتَي ( سُنّة وَشِيْعة ) للتّقْرِيْبِ بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ، وَمَا أَحْسَن قَوْلَهُ : (( نَرَى إِطْلاقَ كَلِمَةِ ( سنّيّيْن )، عَلَى جُمْهُورٍ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، لا يَعْنِي أَنَّ الشِّيْعَةَ لَيْسُوا سُنّيّنَ، لأَنَّ العَمَلَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ، ضَرُوْرَةٌ دِيْنِيّةٌ لَدَى جَمِيْع المُسْلِمِيْنَ ( السُّنَّةِ وَالشِّيْعَة )، وَمَصْدَرٌ للتّشْرِيْعِ، وَلأَنَّ إِنْكَارَ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ لَدَى الجَمِيْعِ، إِنْكَارٌ للرِّسَالَةِ نَفْسِهَا، وَهَذَا لا يَتَنَازَعُ فِيْهِ مُسْلِمَانِ.
إِذن فَجَمِيْعُ المُسْلِمِيْنَ سُنِّيُّونَ، يَتّبِعُونَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ، وَيَحْرِصُونَ عَلَى العَمَلِ بِهَا، وَجَمِيْعُهُم شِيْعَةٌ، يَتَشَيّعُونَ لأَهْلِ البَيْتِ النَّبَوِيِّ، أَي يُحِبُّونَهُم وَيُوَالُونَهُم ....))
1

  وَقَدْ ذَهَبْنَا إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ فِي الدّعْوةِ إِلَى التّقْرِيْبِ، عَلَى مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي مَعْنَى كَلِمَةِ ( عَلَويّ ). وَكَمَا أَشَرْنَا إِلَى عُمُومِ العَلَوِيّةِ وَخُصُوصِهَا، فَكَذَلِكَ نُشِيْرُ إِلَى عُمُومِ مَعَانِي النّسْبَةِ وَخُصُوصِهَا فِي أَسْمَاءِ أَئِمّةِ المَذَاهِبِ، وَالمُخْتَارُ الإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهَا فِي هَذَا الفَصْلِ .

  فَكَمَا قُلْنَا : إِنَّ النّسْبَةَ فِي كَلِمَةِ (( عَلَوِيٍّ )) عَلَى مَعْنَيَيْنِ :
أَحَدهمَا : النّسْبَةُ إِلَى الإِمَامِ عَلِيّ بنِ أَبِي طَالِب (عليه السلام) وَالآخر : العُلُوُّ فِي المَعْرِفَةِ .
فَكُلُّ مُؤمِنٍ عَلَوِيٌّ ، سَوَاءٌ أَنُسِبَ إِلَى الإِمَامِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، أَمْ لَمْ يُنْسَبْ، فَالشّافِعِيُّ عَلَوِيٌّ لأَنّهُ عَلا فِي المَعْرِفَةِ ، وَالحَنَفِيُّ عَلَوِيٌّ لأَنّهُ عَلا فِي المَعْرِفَةِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ .

  فَكَذَلِكَ نَقُولُ : إِنَّ النّسْبَةَ فِي كَلِمَةِ (( شَافِعِيٍّ )) عَلَى مَعْنَيَيْنِ :
أَحَدهمَا : النّسْبَةُ إِلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ (رضي الله عنه) 2 ، وَالآخَر : النّسْبَةُ إِلَى الشَّافِعِ وَهُوَ القُرْآنُ الكَرِيْم، وَاسْم الشّافِع مِنَ الحَدِيْث النّبَويّ :(( القُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفّعٌ ))3 .
فَكُلُّ مُصَدِّقٍ بِأنّ كِتَابَ رَبّهِ (( شَافِعٌ مُشَفّعٌ )) نُسِبَ إِلَيْهِ؛ لِتَصْدِيْقِهِ بِشَفَاعَتِهِ، فَقِيْلَ : شَافِعِيٌّ، كَمَا يُقَالُ : رَبّانِيّ وَإِلَهِيٌّ .4
وَعَلَى هَذَا، فَكُلُّ مُؤْمِنٍ شَافِعِيٌّ، سَوَاءٌ أَنُسِبَ إِلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ (رضي الله عنه) أَمْ لَمْ يُنْسَبْ، فَالعَلَوِيُّ شَافِعِيٌّ لأَنّهُ مُصَدِّقٌ بِأَنّ (( القُرْآن شَافِعٌ مُشَفَّعٌ )) وَالحَنَفِيُّ شَافِعِيٌّ لأَنّهُ مُصَدِّقٌ بِأَنّ (( القُرْآن شَافِعٌ مُشَفَّعٌ )) ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ .
فَمَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ، فَهُوَ شَافِعِيٌّ فِي تَصْدِيْقِهِ، وَاتِّبَاعِهِ للإِمَام الشّافِعِيِّ، وَمَنْ كَان عَلَى مَذْهَبٍ غَيْرِهِ، فَهُوَ شَافِعِيٌّ فِي تَصْدِيْقِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ مَذْهَبًا آخَر .

  وَنَقُولُ : إِنَّ النّسْبَةَ فِي كَلِمَةِ (( حَنَفِيٍّ )) عَلَى مَعْنَيَيْنِ :
أَحَدهمَا : النّسْبَةُ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيْفَة (رضي الله عنه) 5 .
وَالآخَر : النّسْبَةُ إِلَى الحَنِيْفِ، وَفِي أَمَالِي الزّجّاجِي : (( وَالحَنَفُ : المَيَلُ، وَقِيْلَ للمُسْلِمِ حَنِيْفًا لِعُدُوْلِهِ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى الإِسْلامِ، وَمَيْلِهِ عَنْهُ مَيْلاً لا رُجُوعَ مَعَهُ. وَمِنْهُ الحَنَفُ فِي الرّجْلَيْن، وَهُوَ إِقْبَالُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الإِبْهَامَيْنِ عَلَى صَاحِبَتِهَا وَمَيَلُهَا عَنْ سَائِر الأَصَابِع. وَكَانَ الحَنِيْفُ فِي الجَاهِلِيّة مَنْ كَانَ يَحُجُّ البَيْتَ وَيَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، وَيَغْسِلُ مَوْتَاهُ وَيَخْتَتِنُ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلامُ صَارَ الحَنِيْفُ المُسْلِمَ .))6
  فَكُلُّ مُسْلِمٍ : حَنَفِيٌّ؛ لِمَيْلِهِ عَنِ الشِّرْكِ، وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ مُؤمِنٍ حَنَفِيٌّ، سَوَاءٌ أَنُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيْفَة (رضي الله عنه) ، أَمْ لَمْ يُنْسَبْ، فَالعَلَوِيُّ حَنَفِيٌّ؛ لأَنّهُ مُسْلِمٌ حَنِيْفٌ فِي عُدُوْلِهِ عَنِ الشِّرْكِ، وَالشّافِعِيُّ حَنَفِيٌّ؛ لأَنّهُ مُسْلِمٌ حَنِيْفٌ فِي مَيْلِهِ عَنِ الشّرْكِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ .
فَمَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيْفَةِ، فَهُوَ حَنَفِيٌّ فِي عُدُوْلِهِ عَنِ الشِّرْكِ ، وَاتِّبَاعِهِ للإِمَام أَبِي حَنِيْفَة، وَمَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبٍ غَيْرِه، فَهُوَ حَنَفِيٌّ فِي إِسْلامِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ مَذْهَبًا آخَر.

  عَلَى أَنَّ فِي مَعَانِي هَذِهِ الأَسْمَاءِ شَرَفًا لا يَبْلُغُهُ كُلُّ صَاعِدٍ، وَلا يَنَالُهُ كُلُّ مُسْتَشْرِفٍ، فَلَيْسَ كُلُّ مُسَمَّى بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَفِي المَنْقُولِ مَا تُسْتَصْغَرُ بِهِ الأَعْمَالُ، وَيُسْتَقَلُّ مَعَهُ بَذْلُ المُهَجِ، وَمِنْ ذَلِكَ : (( وَقَالَ رَجُلٌ للحَسَنِ بن عَلِيٍّ (عليه السلام) : يَا ابنَ رَسُولِ اللهِ، أَنَا مِنْ شِيْعَتِكُم . فَقَالَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) : يَا عَبْدَ اللهِ، إِنْ كُنْتَ لَنَا فِي أَوَامِرِنَا وَزَوَاجِرِنَا مُطِيْعًا فَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنْ كُنْتَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَلا تَزِدْ فِي ذُنُوبِكَ بِدَعْواكَ مَرْتَبَةً شَرِيْفَةً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا، لا تَقُلْ : أَنَا مِنْ شِيْعَتِكُم، وَلَكِنْ قُلْ : أَنَا مِنْ مَوَالِيْكُم وَمُحِبِّيْكُم، وَمُعَادِي أَعْدَائِكُم، وَأَنْتَ فِي خَيْرٍ، وَإِلَى خَيْر .
وَقَالَ رَجُلٌ للحُسَيْن بن عَلِيٍّ (عليه السلام) : يَا ابنَ رَسُولِ اللهِ، أَنَا مِنْ شِيْعَتِكُم . قَالَ (عليه السلام) : اتّقِ اللهَ وَلا تَدَّعِيَنَّ شَيْئًا يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لَكَ : كَذَبْتَ وَفَجَرْتَ فِي دَعْوَاكَ، إِنَّ شِيْعَتَنَا مَنْ سَلِمَتْ قُلُوبُهُم مِنْ كُلِّ غِشٍّ وَغِلٍّ وَدَغَلٍ، وَلَكِنْ قُلْ : أَنَا مِنْ مَوَالِيْكُم وَمِنْ مُحِبِّيْكُم .))
7

  وَقَال الإِمَامُ الغَزَّالِيّ : (( سَنَنْقُلُ مِنْ سِيْرَةِ فُقَهَاءِ السَّلَفِ مَا تَعْلَمُ بِهِ أَنَّ الّذِيْنَ انْتَحَلُوا مَذَاهِبَهُم ظَلَمُوهُم، وَأَنّهُم مِنْ أَشَدِّ خُصَمَائِهِم يَومَ القِيَامَةِ .... وَنَحْنُ الآن نَذْكُرُ مِنْ أَقْوَالِ فُقَهَاءِ الإِسْلامِ مَا تَعْلَمُ بِهِ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ طَعْنًا فِيْهِم، بَلْ هُوَ طَعْنٌ فِيْمَنْ أَظْهَرَ الاِقْتِدَاءَ بِهِم مُنْتَحِلاً مَذَاهِبَهُم، وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهُم فِي أَعْمَالِهِم وَسِيَرِهِم ....))8

  فَدَعْ عَنْكَ التّفْتِيْشَ عَنِ الأَحْوَالِ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ الثّوابُ وَالعِقَابُ، وَإِذَا نَهَاكَ مَنْ لا يَنْتَهِي أَوْ أَمَرَكَ مَنْ لا يَأْتَمِرُ، فَاسْتَشْهِدْ بِمَا تَقَدَّم، وَحَسْبُك مِنْهُ قَولُ الإِمَام الحَسن (عليه السلام) : (( إِنْ كُنْتَ لَنَا فِي أَوَامِرِنَا وَزَوَاجِرِنَا مُطِيْعًا فَقَدْ صَدَقْتَ، وَإِنْ كُنْتَ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَلا تَزِدْ فِي ذُنُوبِكَ بِدَعْواكَ مَرْتَبَةً شَرِيْفَةً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا .))

  فَهَذَا مَا أَرَدْتُهُ بِالمَذْهَبِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ التّقْرِيْبُ الّذِي أَرَاهُ مُمْكِنًا ، فَإِذَا كَانَتِ النّسْبَةُ عَلَى مَعَانٍ، جَازَ أَنْ يُسَمّى العَلَوِيُّ شَافِعِيًّا، وَحَنَفِيًّا، وَمَالِكِيًّا، كَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الحَنَفِيُّ عَلَوِيًّا، وَشَافِعِيًّا، مَعَ سَلامَةِ المَذَاهِبِ مِنَ التّغْيِيْرِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهم إِلَى التّقْرِيْبِ بَيْنَ المَذَاهِبِ بِتَجْويزِ التّعَبُّدِ بِهَا جَمِيْعًا، وَتَسْوِيْغِ تَحَوّلِ المُقَلِّدِ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى آخَر، فَلِكُلِّ مُسْلِمٍ اخْتِيَار المَذْهِب الّذِي يُرِيْدُ اتِّبَاعَهُ .

  قَال الشّيخ محمود شلتوت : (( إِنَّ الإِسْلامَ لا يُوْجِبُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَتْبَاعِهِ، اتِّبَاعَ مَذْهَبٍ مُعَيّنٍ، بَلْ يُقَرِّرُ أَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ الحَقّ ، فِي أَنْ يُقَلِّدَ أَي مَذْهَبٍ مِنَ المَذَاهِبِ المَنْقُولَةِ نَقْلاً صَحِيْحًا، وَالمُدَوّنَة أَحْكَامُها في كُتُبها الخاصّة، وَلِمَنْ قَلَّدَ مَذْهَبًا مِنَ المَذَاهِبِ، أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِك )).9

  وَقَال الدكتور مُحَمّد سعيد رمضان البوطي : (( هُنَاك أُمُورٌ لا خِلافَ فِيْهَا ...
فَأَوّلُهَا : أَنَّ المُقَلِّدَ لأَحَدِ المَذَاهِبِ، لَيْسَ ثَمَّةَ مَا يَُلْزَِمُهُ شَرْعًا بِالاِسْتِمْرَارِ فِي تَقْلِيْدِهِ وَلَيْسَ ثَمَّةَ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ التّحَوُّلِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَقَدْ أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ أَنَّ للمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنَ المُجْتَهِدِيْنَ إِذَا تَوَصَّلَ إِلَى حَقِيْقَةِ مَذَاهِبِهِم وَآرَائِهِم، فَلَهُ مَثَلاً أَنْ يُقَلِّدَ كُلَّ يَومٍ إِمَامًا مِنَ الأَئِمّةِ الأَرْبَعة، وَلَئِنْ ظَهَرَ فِي بَعْضِ العُصُورِ المُتَأَخِّرَةِ مَنِ اسْتَهْجَنَ تَحَوُّلَ المُقَلِّدِ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى آخَر، فَهُوَ التّعَصُّبُ المَقِيْتُ الّذِي أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى بُطْلانِهِ .))
10

  وَقَدْ ذَكَرْنَا مُرَادَنَا بِالتّقْرِيْبِ، وَبِاللهِ التّوْفِيْق.
عَسَى الأَمْرُ الّذِي دَعَوْنَا إِلَيْهِ أَنْ يَكُونَ وَسَطًا، لا مُبَالَغَةَ تَأْخُذُهُ إِلَى الخَيَالِ، وَلا طَعْنَ يَذْهَبُ بِهِ إِلَى الشِّقَاقِ، وَلَعَلَّ المُخْتارَ مِنْ نَقْدِ الأُسْتَاذ عَبد القَادر المغربي لِكِتَابِ ( الإِسْلام بَين السّنَة وَالشّيْعة ) خَيْرُ تَوْجِيْهٍ لِمَا أَرَدْنَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : (( وَعِنْدَنَا أَنَّ الرَّجَاءَ فِي إِصْلاحِ البَشَرِ إِنّمَا يَكُونُ مِنْ طَرِيْقِ نَشْرِ العِلْمِ العَصْرِيّ بَيْنَهُم وَعِنَايَةِ كُلِّ فِرْقَةٍ دِيْنِيّةٍ بِإِحْسَانِ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهَا عَلَى أَسَاسِ تَرْكِ البُغْضِ لأَبْنَاءِ المِلل الأُخْرَى.
وَكَأَنَّ العَلاّمَةَ السّيِّدَ مُحسن الأمين لاحَظَ مُلاحَظتَنا هَذِه فَقَالَ فِي تَقْريظ الكِتَاب الّذِي نَحْنُ بِصَدَدِه مَا نَصُّهُ : ( وَعِنْدنَا أَنَّ أَفْضَلَ عَمَلٍ يُجْهَدُ فِي سَبِيْلِهِ هُوَ السّعْيُ لِتَأْلِيْف القُلُوبِ وَإِزَالَةِ الأَضْغَانِ بَيْنَ أَهْلِ المَذَاهِبِ أَوْ تَخْفِيْفِهَا إِذْ هِيَ مَبْنِيةٌ عَلى أمُور لا حَقِيْقة لَهَا ).
وَأَذكُر بِمُنَاسَبة هَذِه الدّعوةِ الّتِي أَعْلَنها المُؤَلِّفَان الفَاضلان أَنّنِي فِي سَنَة 1905م اجْتَمَعْتُ فِي مِصر بِالبَهائي الكَبِير ( ميرزا أبو الفَضل ) وَهُوَ دَاعي الدّعاة فِي المَذْهَب البهَائي البابي بَلْ هُو أَعْظم رَجُلٍ فِيْهم بَعْد البَاب وَالبهاء. فَجَرى بَيْنِي وَبَيْنُه حَديثٌ دِيْنيٌّ أَدّى بالطّبع إِلَى قِيَام فِرْقَتِهم وَنُشُوء دَعْوتِهم . فَأَظْهَرْتُ حُسْنَ الظّنِّ بِهَا وَقُلْتُ إِنّمَا هِيَ فِرْقَةٌ إِسْلامِيّةٌ تَدْعو إِلى الإِصْلاح فِي دِيْن الإِسْلامِ. فَأَجَابَنِي مُمْتَعضًا ( كَلاّ نَحْنُ أَبْناء دِينٍ جَدِيدٍ ) فَأَشَحْتُ بِوَجْهِي عَنْهُ مِنْ يومئذٍ وَتَحَقّقتُ أَنَّ الدّعوةَ إِلَى تَوْحِيْدِ الفِرَقِ عَبَثٌ وَإِنّمَا الأَجْدَى لَنَا وَلَهُم دَعْوَتُهم إِلَى مَكَارم الأَخْلاقِ وَحَضّهُم عَلَى الوِئَام وَالسَّلام.))
11

  وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ النّسْبة إِلَى هَؤلاءِ الأَعْلامِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَلَيْسَتْ دَلِيْلاً عَلَى عِبَادَتِهم، وَلَقَدْ رَاقَنِي فِي هَذا قَولُ الدكتور مصطفى الرافعي : (( وَإِنّ هؤلاء العَلَوِيّيْن لَمْ يَعْبُدوا عَلِيًّا كَمَا يَتَوَهّمُ الجَاهِلُونَ بِحَقِيْقَتِهِم اعْتِماداً عَلَى مُجَرّد تَسْمِيَتِهم (( بِالعَلَوِيّيْن )) إِذْ لَوْ كَانَت مُجَرّد التّسْمِية المَنْسُوبَة إِلَى إِنْسَانٍ تَسْتَلْزِم عِبَادَتَهُ لَلَزِمَ القَولُ بِأَنَّ العُثْمَانِيّينَ يَعْبُدون عُثْمَاناً وَالمَالِكِيّيْن يَعْبُدون مَالِكاً وَالشّافِعِيّين يَعْبُدونَ الشّافِعِيّ، وَهَكَذا إِلَى أَنْ نَصِلَ إِلَى أَيّامِنا هَذِهِ ....)) 12

  وَقَدْ قِيْلَ أَنَّ هَذِهِ النّسْبة مَعْنىً مِنْ مَعَانِي المَذْهَب، وَمِنْهُ فِي كِتَاب (مِيْزان العَمل ) للإمام الغزالي : (( فَرِيْقٌ يَقُولُ : المَذْهَبُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ لِثَلاثِ مَرَاتِب :
إِحْدَاهَا : مَا يتَعَصّبُ لَهُ فِي المُبَاهَاة وَالمُنَاظَرات.
وَالأُخْرى : مَا يسارُّ بِهِ فِي التّعْلِيْمات وَالإِرْشَادَات.
وَالثّالِثةُ : مَا يَعْتَقِدُهُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ مِمّا انْكَشَفَ لَهُ مِنَ النّظريات.
وَلِكُلِّ كَامِلٍ ثَلاثَةُ مَذَاهِب بِهَذا الاعْتِبَار.
فَأَمّا المَذْهَبُ بِالاعْتِبَار الأَوّل: هُوَ نَمط الآباء وَالأَجْدَاد، وَمَذْهَبُ المُعَلّم، وَمَذْهَبُ أَهْلِ البَلَدِ الّذِي فِيْه النّشوء.
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِالبِلاد وَالأَقْطار، وَيَخْتلف بِالمعَلّمين.
فَمَنْ وُلِدَ فِي بَلَدِ المُعْتَزِلَة، أَوِ الأشْعرية، أو الشّفعويّة، أَو الحَنَفيّة، انْغرسَ فِي نَفْسِه مُنذ صباه التّعَصُّبُ لَهُ، وَالذّبُّ دُوْنَهُ، وَالذّمّ لِما سِواه.
فَيُقَالُ : هُو أَشْعَري المَذْهب، أَوْ مُعْتزلي، أَوْ شَفْعوي، أَوْ حَنَفي. وَمَعْناهُ أَنّه يَتَعَصّبُ أَي يَنْصرُ عِصابةَ المُتَظاهِرينَ بِالمُوَالاةِ وَيَجْري ذَلِكَ مَجْرى تَناصر القَبِيلةِ بَعْضِهم لِبَعض ....
المَذْهبُ الثّانِي : مَا يَنْطَبقُ فِي الإِرْشاد وَالتّعْلِيم عَلَى مَنْ جَاء مُسْتَفِيداً مُسْتَرْشدًا، وَهَذا لا يَتَعَيّنُ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، بَلْ يَخْتَلفُ بِحَسب المُسْتَرْشِد فَيُنَاظِر كُلَّ مُسْتَرْشِدٍ بِمَا يَحْتَمِلُهُ فَهْمُهُ.
المَذْهَبُ الثّالثُ : مَا يَعْتَقِدُهُ الرَّجُلُ سِرًّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يَطّلِعُ عَلَيْه غَيْرُ اللهِ تَعَالَى، وَلا يَذْكُرُهُ إِلاّ مَع مَنْ هُو شَرِيْكُهُ فِي الاِطِّلاعِ عَلَى مَا اطّلَعَ، أَو بَلغ رتْبة يَقبلُ الاِطّلاع عَلَيْه وَيَفْهَمُهُ.
وَأَمّا الفَرِيْقُ الثّانِي : وَهُمُ الأَكْثَرُون يَقُولون : المَذْهَبُ وَاحِدٌ، هُوَ المُعْتَقَدُ، وَهُوَ الّذِي ينْطقُ بِه تَعْلِيْماً وَإِرْشَاداً، مَع كُلِّ آدَمِيٍّ كَيْفَما اخْتَلَفَتْ حَالُهُ.
وَهُوَ الّذِي يَُتَعَصَّبُ لَهُ، وَهُوَ : إِمّا مَذْهَبُ الأَشْعَريّ. أو المُعْتَزِلِيّ . أو الكرّاميّ. أَو أَيّ مَذْهَبٍ مِنَ المَذَاهِب....))
13

  وَلا نَعُدُّ تَعَصُّبَ المُسْلِمِ لِمَذْهَبِهِ، تَكْفِيْراً لِغَيْرِهِ، وَلا تَسَامُحَهُ فِي مُعَايَشَةِ غَيْرِهِ، نَفْياً لاِخْتِلافِ المَذَاهِبِ.
قَال الدكتور عادل العوّا : (( إِنَّ التّسامُحَ لا يَنْفِي ضُرُوبَ التّعَارُضِ وَلا التّبَايُن وَلا حَتّى النّضال وَلَكِنّه يَعترفُ بِأنّ تأكيدَ الذّاتِ يَمُرّ بالاعْترافِ بِالآخر، بِالآخرِ مِنْ حَيثُ تَشَابُهُهُ الأسَاسي وَمُغَايَرَتُهُ الأَساسية عَلَى قَدْرٍ سَواء .
وَبِالمُقَابِل يَعْرفُ الإِنْسَانُ المُتَسَامِحُ أَنّهُ لا يَسْتَطِيْعُ تَأْكِيْدَ ذَاتِهِ وَالإِعْرابَ عَنْهَا بِاعْتِبَارِ مَا يَنطوي عَلَيْهِ مِنْ تَفَرّدٍ وَأَصَالَةٍ، وَلا يَسْتَطِيعُ القِيَام بِعَمَلٍ مُبْدعٍ، إِلاّ بِقَدرِ مَا يَجْهد لِفَهم الآخَرين فَهْماً صَادقاً مِنْ حَيْثُ أَعْمقُ فَوَارقهم وَأَصَالاتِهم. إِنَّ الصِّدْقَ أَمْرٌ أَسَاسيّ فِي التّسَامُح....
إِنَّ إِقَامَةَ تَوْفِيْقٍ عَمَلِيّ مُتَسامِحٍ يَكفلُ التّعايُشَ لا تَسْتَلْزِمُ مُصَالَحَة المَذَاهبِ المُتَعارِضة، وَلا حَتّى تَنْسِيقَ بَعْضِها مَع بَعْض. وَإِنّمَا يَبْتَغي التّسامُح أَنْ يَجْعلَ مِنَ المُمْكِنِ التّعايش، بَلِ التّعاون عَلى إِبْقاءِ الفَوارق وَبسَائق هَذا التّعدد ....))
14

  1. 1. لا سنة ولا شيعة 68.
  2. 2. (( الإمام أبو عبد الله مُحَمّدُ بنُ إدريس بن عُثْمان بن شَافعٍ الشَّافِعِيُّ القُرَشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَرْضَاهُ عَنَّا، وَالنّسْبَةُ إِلَيْهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَافِعِيٌّ أَيْضًا، وَلا يُقَالُ : شَفْعَوِيٌّ ، فَإِنَّهُ لَحْنٌ ...)) تاج العروس من جواهر القاموس 11\247.
  3. 3. كشف الخفاء 2\95، وفي تاج العروس 11\249، وفي المفردات في غريب القرآن263، وفي المحرر الوجيز1\17، وفي الإتقان في علوم القرآن 2\426.
  4. 4. انظر تاج العروس 2\5.
  5. 5. في المعجم الوسيط : (( الحَنَفِيُّ : تَابع مذهب أبي حنيفة. وهم الحنفية. (ج) أحناف.)) 203.
  6. 6. أمالي الزجاجي 2، وانظر تاج العروس 11\152، عسى اللغة أن تجيز حذف الياء من ( حنيف ) على تقدير كونه مشهوراً . قال الأمير مصطفى الشهابي : (( إتّخذ بعض الصرفيين والنحويين قاعدة عامة في النسب إلى ( فَعِيلة ) الصحيحة العين والخالية من التضعيف ، وهي حذف الياء . فصرنا نجد مثلا بعض الكتاب يقولون بَدَهِيّ من بديهة، وَطَبَعِي من طبيعة، وغَرَزي من غريزة وهلم جرا، وذلك عملاً بهذه القاعدة التي قيل لهم إنها مطلقة ، على حين أن ابن قُتَيْبة في (( أدب الكاتب )) قد خص الأعلام المشهورة وحدها بحذف الياء فقال : (( ... وكذلك إذا نسبتَ إلى فَعِيل أو فَعِيلة من أسماء القبائل والبلدان، وكان مشهوراً، ألقيتَ منه الياء مثل ربيعة وبجيلة تقول رَبَعي وبَجَلي ، وحنيفة حنفي، وثقيف ثقفي، وعتيك عتكي، وإن لم يكن الاسم مشهوراً لم تحذف الياء في الأول ولا الثاني )).
    ومن الواضح أن ابن قتيبة، وهو من هو، قد اشترط في الحذف أن يكون الاسم علماً مشهوراً، ولم يجعل الحذف قاعدة عامة لجميع الأسماء التي هي على وزن فعيل وفعيلة .)) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق م37ج1\4. وانظر المجلة نفسها م2 ص3.
  7. 7. تفسير الإمام الحسن العسكري 282، وفي بحار الأنوار مج26\ 364.
  8. 8. إحياء علوم الدين 1\37، وانظر المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء 1\82.
  9. 9. فتوى شيخ الأزهر سنة 1379هـ ، نقلت الشاهد من كتاب لا سنة ولا شيعة للأستاذ محمد علي الزعبي ص 203 .
  10. 10. اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلاميّة ص 34.
  11. 11. من نقد كتاب ( الإسلام بين السنة والشيعة ) لمؤلفيه الأستاذين هاشم المدني ومحمد علي الزعبي، مجلة المجمع العلمي العربي م27 ج2\292.
  12. 12. إسلامنا في التوفيق بين السنّة والشيعة ص 42.
  13. 13. ميزان العمل 406 ـ 407ـ 408ـ 409 . وانظر في ضبط اسم ( الغزالي) مقالة الأستاذ محمد بن أبي شنب في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق م7 ج5 ـ 6\224.
  14. 14. التسامح 165.