شروط الموقع

هام: حضرة الزائر: نلفت نظركم إلى أن بقية صفحات الكتب وروابطها لن تظهر سوى للأعضاء بعد تسجيل الدخول. بإمكانكم التسجيل في الموقع على الرابط التالي.

رسالة إلى الدكتور أسعد علي

©copyrights www.alawiyoun.com

رسالة إلى الدكتور أسعد علي

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ .

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ ، وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ ، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ، وَآلِهِ ، وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِيْن ..

أَمَّا بَعْدُ :
فَقَدْ تَصَفَّحْتُ كِتَابَ : مَعْرِفَة اللهِ وَالمَكْزُوْنِ السِّنْجَارِيِّ .
للدّكتور أَسْعَد أَحْمَد عَلِيّ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُنَبِّهَ عَلَى مَا ظَهَرَ لِي فِي كِتَابِهِ ، وَاللهُ المُسْتَعَانُ .

لَقَدْ كَتَبَ المُؤَلِّفُ أَنَّ لَهُ مَنْهَجاً خَاصّاً ، لِمَعْرِفَةِ مَنْهَجِ المَكْزُون ، فِي قولِه :

" لِذَلِكَ وَضَعْتُ لِنَفْسِي مَنْهجاً خَاصّاً ، لِمَعْرِفَةِ مَنْهَجِ المَكْزُون فِي المَعْرِفَةِ ".

وَأَنَّهُ يُوَازِن بَيْنَ مَنْهَجِ المَكْزونِ وَمَنَاهِجِ غَيْرِهِ ، فَكَتَبَ :

" كَانَ عَلَيّ أَنْ أَخْطُو الخَطْوَةَ الثّالِثَةَ ، وَهِيَ المُوَازَنَةُ بَيْنَ مَنْهَجِ المَكْزون وَمَنَاهِجِ غَيْرِهِ ......

جَرّبْتُ أَنْ لا أُضِيْعَ شَخْصِيّةَ المَنْهَجِ المَكْزُونِيّ ......فَجَعَلْتُ كِتَابَيْهِ المَخْطُوطَيْنِ دِيْوان شِعرهِ ؛ وَرِسَالتهُ : تَزْكِية النّفْسِ ، هُمَا المحْورُ الّذِي تَدُور عَلَيْهِ فُصُول هَذا البَاب ... وَبَرزَ مَع هَذين المَصْدَرينِ القُرْآنُ الكَرِيْم ..... بِذَلكَ تَكُونُ مَصَادِرُ هَذَا البَاب الأَسَاسِيّة : القُرْآن الكَريم . دِيْوانُ المَكْزون ، وَرِسَالَته .

وَكَمَا أَلْزَمَنِي المَكْزون بِالاِطّلاعِ عَلَى مَصَادِر تَفْكِيْرِهِ ، فَإِنّهُ أَلْزَمَنِي بِتَرْتِيْبِ اِنْطِبَاعاتِي تَرْتِيْباً يَنْسَجمُ مَع مَنْهَجِيّةِ تَفْكِيْرِهِ.....".

التّنْبِيْـــهُ :

إِنَّ النّظَرَ فِي شَرْحِ المَكْزون ، وَالبَحْثَ عَنْ مَصَادر تَفْكِيْرهِ ، يَقْتَضِي تَحْقِيْق مَا وَقَفَ عَلَيْهِ المُؤَلّفُ ، وَالتّفْرِيْق بَيْنَ كَلامِ المَكْزون ، وَالشّوَاهِد الّتِي نَقَلَهَا فَهُو أَهْدَى فِي مَعْرِفَةِ مَصَادِرِهِ ، فَلا يَلِيْقُ بِالمُؤَلّفِ أَنْ يَنْسُبَ للمَكْزونِ شَيئاً لَمْ يَنْسُبْهُ المَكْزون إِلَى نَفْسِهِ ، فَيشْرَحُ عَلَى نِسْبةٍ..... ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنّه لا يَشْرَحُ كَلامَ المَكْزون ، وَإِنّمَا يَشْرَحُ شَاهِداً نَقَلَهُ ....

فَقَدْ نَتَجَ مِنِ اسْتِعْجَالِ المُؤَلِّفِ ، أَنـَّهُ : نَقَلَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَنَسَبَهُ إِلَى المَكْزُوْنِ ، أَوْ أَغْفَلَ تَحْقِيْقهُ ، فَكَتَبَ فِي الصَّفْحَةِ التَّاسِعَةِ وَالثَّلاثِيْنَ بَعْدَ المِئَتَيْنِ :

" هَؤلاءِ المُؤمِنُوْنَ إِيْمَاناً مُسْتَقِرّاً ، يَقُوْلُ المَكْزُوْنُ عَنْ دَرَجَتِهِمْ ، إِنَّهَا ( مَقَامُ أَهْلِ الإِيْمَانِ فِي العَالَمَيْنِ ، وَالتَّصْدِيْقِ بِالرُّؤْيَتَيْنِ ) ، ثُمَّ يَذْكُرُ لإِيْمَانِهِمُ المُسْتَقِرِّ عَشْرَ خِصَالٍ ، تُمَثِّلُ قِوَامَ نَظَرِيَّتِهِمْ فِي المَعْرِفَةِ .

  1. مَعْرِفَةُ الله فِي جَمِيْعِ ظُهُوْرَاتِهِ .
  2. مَعْرِفَةُ الوَلِيِّ .
  3. مَعْرِفَةُ وَلِيِّ الوَلِيِّ .
  4. مَعْرِفَةُ إِبْلِيْسَ ، مِمَّا كَانَتْ بِدَايَتُهُ .
  5. مَعْرِفَةُ قُوَّامِ القِسْطِ .
  6. مَعْرِفَةُ الأَشْخَاصِ الَّذِيْنَ أُقِيْمُوا فِي ضِيَاءِ القُدسِ .
  7. قَبُوْلُ عِلْمِ اللهِ ، وَتَصْدِيْقُ رُسُلِهِ .
  8. تَعْظِيْمُ أَهْلِ مَعْرِفَةِ اللهِ .
  9. المُسَاوَاةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيْهِ فِي الدِّيْنِ وَالدُّنْيَا .
  10. كِتْمَانُ سِرِّ اللهِ ، وَسِتْرُهُ عَنْ غَيْرِ أَهْلِهِ" .

التَّنْبِيْـــهُ :

لَقَدْ أَخْطَأَ المُؤَلّفُ فِي نِسْبَةِ هَذَا الكَلامِ ، فَهُوَ : مِمَّا رَوَاهُ الإِمَامُ الصَّادِقُ مِنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، لا : مِنْ كَلامِ المَكْزُوْن ، وَقَدْ نَقَلَهُ الحَسَنُ بنُ عَلِيّ الحَرَّانِيّ فِي البَابِ التَّاسِعِ مِنْ كِتَابِ التَّمْحِيْصِ ، وَالمَجْلِسِيُّ فِي بِحَارِ الأَنْوَارِ . 1

وَنَقَلَهُ المُؤلّفُ فِي الجُزْءِ الثّانِي ، فَظَنَّ فِيهِ زِيَادةً ، نَبّهَ عَلَيْهَا فِي ذَيْلِ الصّفْحَةِ 275 وَهِيَ عِبَارةُ : جَاءت مِنَ اللهِ ، فَكَتبَ : لَعَلّهَا زِيَادة النّسّاخِ ، فَكَانَ إِسْقَاطُهَا خِطْئاً ، لِمَا فِيْهِ مِنْ إِغْفَالِ أُصُوْلِ رِسَالَةِ المكْزُون ، لَعَلّ القُرّاء يَعْرِفُونَ أَيَقْرَأونَ كَلامَ المَكْزون ، أَمْ شَاهِداً نَقَلَهُ ، لِئَلاّ يَكُوْنَ لِطَاعِنٍ عَلَى المُؤَلّفِ حُجّةٌ فِي إِنْكَارِ مَا نَسَبَهُ إِلَى المَكْزُون ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوّةَ إِلاَّ بِاللهِ .

* * * *

وَفِي ص : 128 :

"نَسَخْتُ هَوَى مُوْسَى وَعِيْسَى بِأَحْمَدٍ نَبِيّ جَمَالٍ مَا لِمِلَّتِهِ نَسْخُ

يَفْهَمُ شَارِحُ الدِّيْوَانِ النّسْخَ هُنَا بِالمَعْنَى الثّانِي ، أَي : الإِبْطَال ، وَيُبَرِّرُ للمَكْزُوْنِ إِبْطَالَهُ هَوى مُوْسَى وَعِيْسَى ، لأَنَّ اللهَ لَمْ يَتَعَبَّدْ عِبَادَهُ الآنَ بِالشّرَائِعِ المَاضِيَة ....

وَإِذَا أَخَذْنَا مَأْخَذَ الشّارِحِ ، فَإِنّنَا نَضَعُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَلَقٍ ، بَلْ نَضَعُ فَهْمَ المَكْزُونِ لِسُنَّةِ اللهِ فِي قَلَقٍ .... إِذْ كَيْفَ يَذْهَبُ المَكْزُوْنُ مَذْهَبَ مَنْ أَقَامُوا سُنَنَ الأَنْبِيَاءِ فِي نُصُوصِهِ السّابِقَةِ ، وَيَأْتِي هُنَا لِيُبْطِلَ هَوى مُوسى وَعِيْسَى ....

المَكْزُونُ لا يَعْنِي بِالنّسْخ هُنَا الإِبْطَالَ ، وَإِنَّمَا التّثْبِيْت بِالنّقْلِ حَرْفاً حَرْفاً ، وَبِذَلِكَ يَصِيْرُ مَعْنَى بَيْتِهِ ... بِحُبِّ مُحَمّدٍ أَحْبَبْتُ مُوْسَى وَعِيْسَى ، أَي : أَنَّ حُبِّي لَهُ اِحْتَوى حُبِّي لَهُمَا ، كَمَا لَوْ جُمِعَتْ ثَلاثَةُ كُتُبٍ فِي مُجَلّدٍ وَاحِدٍ ، لأَنَّ سُنّةَ مُحَمّد الَّتِي لا تَقْبَلُ النّسْخَ ، هِيَ : سُنّةُ مَنْ أَرْسَلَهُمُ اللهُ قَبْلَ مُحَمّد ...وَالقُرْآنُ إِنّمَا يُصَدِّقُ تِلْكَ السّنّةَ وَيُحَافِظُ عَلَيْهَا ، وَلا يَنْسَخُهَا ....".

التَّنْبِيْـــهُ :

لَقَدِ ادّعَى المُؤَلّفُ أَنَّ القُرْآنَ : كِتَابُ مَنْهجٍ للمَكْزونِ ، فِي اِقْتِبَاسِهِ مِنْ آيَاتِهِ ، وَلَمْ يَشْرَحْ هَذَا البَيْتَ عَلَى مَنْهَجِ القُرْآنِ ، فِي أَمْرَيْنِ :

  • أَحَدُهُمَا : إِنَّ كَلِمَةَ ( الهَوَى) لَيْسَتْ بِمَعْنَى ( الحُبِّ ) فِي القُرْآنِ ،
    قَالَ - تَعَالَى - : {فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ } 2
    وَقَالَ : {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى} 3
    وَقَالَ : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} 4
    وَقَالَ : { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى } 5 .
  • وَالآخَرُ : لَمْ يُقْرَأْ فِي القُرْآن أَنَّ لِسَيِّدِنَا مُحَمّد مِلّةً ،
    قَالَ - تَعَالَى - : { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } 6 .

وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلامَ المُؤَلّفِ ، تَعَقَّبَهُ بِتَفْسِيْرِ كَلِمَةِ ( المِلّةِ ) فِي بَيْتِ المَكْزُونِ بِالشِّرْعَةِ وَالمِنْهَاج ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } 7 ، فَلَمْ يُسَمِّ اللهُ تَعَالَى المِلّةَ شِرْعةً وَمِنْهَاجاً ، وَمَا كَانَ للمُؤَلّفِ أَنْ يَفْعَلَ .

وَلَوْ أَرَادَ المَكْزونُ الشِّرْعةَ ، لَجَعَلَهَا فِي شِعْرِه ، فَقَالَ :
نَبِيّ جَمَالٍ مَا لِشِرْعَتِهِ نَسْخُ ،   أَو : نَبِيّ جَمَالٍ مَا لِمَنْهَجِهِ نَسْخُ .

فَإِذَا خَرَجَ المُؤَلِّفُ إِلَى نَعْتِ الهَوَى ، وَتَرَادُفِ المِلّةِ وَالشِّرْعَةِ وَالمِنْهَاجِ ، فَأَوَّلُ الوَهْنِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ : إِنَّ القُرْآنَ مَنْهَجُ المَكْزُوْن .

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ :

" رَكَّزْتُ عَلَى كِتَابِ المَنْهَجِ ، وَأَثْبَتُّ أَنَّهُ القُرْآنُ ، بِدَلِيْلَيْنِ :

الأَوَّلُ : طَرِيْقَةُ المَكْزُوْنِ الفَنِيَّة فِي التَّعْبِيْرِ ، وَسَمَّيْتُهَا النَّسْجَ المَكْزُوْنِيَّ ، وَتَقُوْمُ عَلَى الطَّيِّ وَالنّشْرِ ، وَبَدَا لِي أَنَّ طَرِيْقَةَ المَكْزُوْنِ تَمْتَازُ بِالفَرَادَةِ وَالطّرَافَةِ ، فَهِيَ فَرِيْدَةٌ لأَنَّهُ يُعَانِي مُعْطَيات القُرْآنِ .....

الثّانِي : تَصْرِيْحُ المَكْزُوْنِ بِأَنَّهُ يَبْنِي مَا يَبْنِيْهِ عَلَى قَوَاعِد قُرْآنِيّة ". 8

أَرَأى المُؤَلِّفُ تَعْبِيْرَ المَكْزُون فِي هَذَا البَيْتِ ، وَقَدْ بُنِيَ عَلَى قَوَاعِد القُرْآن ، أَمْ رَخَّصَ لِنَفْسِهِ فِي شَيءٍ مِنْ ذَلِك ؟.

ثُمّ جَعَلَ للمَكْزُون تَعَابِيْر جَدِيْدةً ، فِي قَوْلِهِ :

" فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُ تَعَابِيْر جَدِيْدة ..... وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : بَابُ حِطّة ..... تَعْبِيْر مُبْتكر ، لأَنّ البَابَ حِسِّيٌّ وَالحِطّة بِمَعْنَى الاِسْتِغْفَار ، أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ .. ". 9

فَإِنّ فِي قَوْلِهِ مُبَالغةً ، وَالأَوْلَى تَفْسِيْرُهُ بِالتّنْبِيْهِ عَلَى اِقْتِبَاسِ المَكْزُون قَوْلَ النّبِيّ ( ص ) :
" إِنَّمَا مثلُ أَهْلِ بَيْتِي فِيْكُمْ كَمثل سَفِيْنَةِ نُوحٍ ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا ، وَمَنْ تَخَلّفَ عَنْهَا غَرقَ ، وَمثلُ بَابِ حِطّة ، مَنْ دَخَلَهُ نَجَا ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهُ هَلَك ". 10

وَالقَولُ : اِقْتَبَسَ ، وَلَمْ يَبْتَكِر ، خَيْرٌ وَأَهْدَى ، وَلَيْسَ بِأَمْرٍ غَامِضٍ ، فَالبَابُ وَالاِسْتِغْفارُ كِلاهُمَا مَعْنَوِيٌّ ، خِلافاً لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ المُؤَلّفُ أَنَّ البَابَ حِسِّيٌّ ، وَالحِطّة بِمَعْنَى الاِسْتِغْفَار ، أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ .

* * * *

وَلَقَدْ بَالَغَ المُؤَلِّف فِي وَصْفِ المَكْزُوْنِ ، مُبَالَغةً أُهْمِلَ فِيْهَا التّنْبِيْهُ عَلَى مَا أَخَذَهُ المَكْزون مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْت ِ( ع ) ، فَأَسْقَطَ مَصْدراً مِنْ مَصَادِرِهِ ، بَعْدَ القُرْآنِ وَلا عُذْرَ بِاِجْتِزَائِهِ بِيَسِيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ، مَعَ إِطْنَابِهِ فِي المُوَازَنَةِ بَيْنَ المَكْزون ، وَالغَزَالِيّ وَاِبْن عرَبِي ، وَديكارت ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنّهُ اِقْتَبَسَ مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ( ع ) ، وَلَيْسَ بِقَلِيْلٍ لِيُتْرَكَ .

وَمِنْهَا فِي ص 134 :

" أَنَّهُ أَلّفَ رِسَالَتَهُ مُعْتَمِداً فِيْهَا عَلَى سُنّةِ مُحَمّدٍ ( ص ) ، وَلَكِنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالنّاطِقِ تُثِيْرُ مُشْكِلَةً ، كَثِيْراً مَا تَظْهَرُ فِي آثَارِ المَكْزُوْنِ ، وَهِيَ مُشْكِلَةُ اِتِّحَادِ المَنْهَجِ بِالدّلِيْلِ ، فَالنّاطِقُ لَفْظَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي القُرْآنِ ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا المَكْزُوْنُ فِي وَصْفِهِ لِكِتَابِ المَنْهَجِ الَّذِي أَثْبَتْنَا أَنّهُ القُرْآنُ ، وَهَذِهِ المُلاحَظَةُ مُهِمَّةٌ فِي تَقْدِيْرِ اعْتِمَادِ المَكْزُوْنِ عَلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ ، فَإِذَا كَانَ النّبِيُّ نَاطِقاً ، وَالقُرْآنُ نَاطِقاً ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ تَفْصِيْلٌ لِسُنَّةِ اللهِ ، وَالمَعْنَى كِلاهُمَا يَنْطِقُ بِالحَقِّ مُبَلِّغاً سُنَّةَ اللهِ ".

التَّنْبِيْـــهُ :

إِنَّ تَسْمِيَةَ الرّسُوْل نَاطِقاً ، مَشْهُوْرٌ فِي كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ( ع ) ، وَمِنْهُ أَخَذَ المَكْزُوْنُ ، فَمِنْ ذَلِك قَولُ الإِمَامِ الصّادِقِ :
" إِنَّ الكِتَابَ لَمْ يَنْطِقْ ، وَلَنْ يَنْطِقَ ، وَلَكِنْ رَسُوْلُ اللهِ ( ص ) ، هُوَ النّاطِقُ بِالكِتَابِ ..." 11

وَمِنْهُ مَا فِي الرّسَالةِ الجَامِعة :
" وَأَنَّ أَصْلَ الحَرَكَاتِ الدِّيْنِيَّةِ : الرّسُوْلُ النّاطِقُ بِأَمْرِ اللهِ ، إِمَّا بِوَحْيِهِ ، وَإِمَّا بِكَلامِهِ .... وَمَا يَبْدُو مِنْ ذَلِكَ المُبَشِّرِ الكَرِيْمِ وَالشَّخْصِ العَظِيْمِ ، الَّذِي هُوَ ترْجُمَان الوَحْيّ ، وَلِسَانُ الرّبِّ بِالأَمْرِ وَالنّهْي ، وَالقَوْلِ وَالفِعْلِ ، وَالعِلْمِ وَالعَمَلِ ... ". 12

* * * *

وَقَوْلُهُ ص 140 :

" يُفَصِّلُ المَكْزُوْنُ بَعْدَ ذَلِكَ الحَدِيْثَ عَنِ المَظْهَرِ الفَرْدِيِّ للجِهَادِ ، وَيَعْتَبِرُهُ وَجْهَ التّعَبُّدِ البَاطِنِ بِالجِهَادِ ، فَيَقُوْلُ :

الوَجْهُ الأَوّلُ : مُجَاهَدَةُ الطّالِبِ لِعِلْمِ الحَقِّ نَفْسَهُ عَلَى رَفْضِ المَأْلُوْفَاتِ ، وَتَرْكِ الشَّهَوَاتِ ، وَتَصْفِيَةِ النّفْسِ مِنَ العَقَائِدِ الفَاسِدَةِ وَالخَيَالاتِ الكَاذِبَةِ ، وَاِجْتِهَادُهُ فِي خِدْمَةِ المُؤمِنِيْنَ .... وَالإِنْكَارُ عَلَى أَهْلِ الغِلْظَةِ فِيْهِمْ ، وَالذّمُّ لَهُمْ ، مَهْمَا اِسْتَطَاعَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ ..... ".

التَّنْبِيْـــهُ :

الأصَحّ أَنَّ كَلامَ المَكْزُوْنِ ، مَأْخُوْذٌ مِنْ قَوْلِ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ ( ع ) :
" الجِهَادُ عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ : عَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوْفِ ، وَالنّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ، وَالصِّدْقِ فِي المَوَاطِنِ ، وَشَنَآنِ الفَاسِقِيْنَ ، فَمَنْ أَمَرَ بِالمَعْرُوْفِ : شَدَّ ظَهرَ المُؤمِنِ ، وَمَنْ نَهَى عَنِ المُنْكَرِ أَرْغَمَ أَنْفَ المُنَافِقِ ، وَمَنْ صَدَقَ فِي المَوَاطِنِ : قَضَى الّذِي عَلَيْهِ ، وَمَنْ شَنَأَ الفَاسِقِيْنَ ، وَغَضِبَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ : غَضِبَ اللهُ لَهُ ". 13

وَلَقَدِ اسْتَعْجَلَ المُؤَلِّفُ فِي قَوْلِهِ ص 143 :

" وَالنّفْسُ عِنْدَ المَكْزُوْنِ هِيَ الجِهَازُ الَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ أَفْعَالُ المُجَاهَدَةِ ، لِذَلِكَ سَمَّى رِسَالَتَهُ (( تَزْكِيَة النّفْسِ )) " .

فَإِنَّ الأَقْرَبَ أَنَّ المَكْزُوْنَ أَخَذَ اِسْمَ رِسَالَتِهِ ، مِنْ قَوْلِ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ :
" جَاهِدْ شَهْوَتَكَ ، وَغَالِبْ غَضَبَكَ ، وَخَالِفْ سوْءَ عَادَتِكَ ، تَزْكُ نَفْسُكَ ، وَيَكْمُلْ عَقْلُكَ ، وَتَسْتَكْمِلْ ثَوَابَ رَبِّكَ ". 14
وَرُبَّمَا كَانَ عُنْوَانُ الرِّسَالةِ مُقْتَبَساً مِنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى - { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا }. 15

* * * *

وَفِي ص 141 :

" الوَجْهُ الثّانِي : مُجَاهَدَةُ النّفْسِ ، وَمُجَاهَدَةُ العَارِفِ لأَهْلِ بَيْتِهِ وَعَشِيْرَتِهِ وَجِيْرَانِهِ ، بِإِظْهَارِ التّقِيَّةِ لَهُمْ ، وَالتَّمَسُّكِ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ بَاطِنُهُ فِي إِتْيَانِ ذَلِكَ الفِعْلِ ، وَالمُحَافَظَة عَلَى المَشْرُوْعاتِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا ، لِيَسْلَمَ لَهُ بِذَلِكَ دِيْنُهُ وَنَفْسُهُ مِنْ أَهْلِ المَيْلِ عَنْ رَأْيِهِ وَعَقِيْدَتِه ...".

التَّنْبِيْـــهُ :

الأقْربُ أَنَّ فِي هَذِهِ اقْتِبَاساً مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى :
{لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُوْنَ الكَافِرِيْنَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوْنِ المُؤمِنِيْنَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى الله المَصِيْر} . 16

وَمِنْهُ قَوْلُ الإِمَامِ الصّادق :
" الرِّيَاءُ مَعَ المُنَافِقِ فِي دَارِهِ عِبَادَةٌ ، وَمَعَ المُؤمِنِ شِرْكٌ ، وَالتّقِيّةُ وَاجِبَةٌ ، لا يَجُوْزُ تَرْكُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ القَائِمُ .....". 17

وَمَا ذُكِرَ مِنَ الجِهَادِ بِالتّقِيّةِ ، وَبِالسَّيْفِ ، فَمِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ( ع ) وَمِنْهُ قَوْلُ الإِمَامِ الصّادِقِ :
" وَالمُؤمِنُ مُجَاهِدٌ ، لأَنَّهُ يُجَاهِدُ أَعْدَاءَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي دَوْلَةِ البَاطِلِ بِالتّقِيّةِ ، وَفِي دَوْلَةِ الحَقِّ بِالسَّيْفِ ". 18

وَمِنْهُ مَا فِي الرّسَالةِ الجَامِعة :
" وَالعَدَاوةُ قَائِمةٌ بَادِيَةٌ وَكَامِنَةٌ ، ظَاهِرةٌ وَبَاطِنَةٌ ، كَمَا قَالَ الحَكِيْمُ الفَاضِلُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ ، وَقَدِ انْصَرفَ مِنْ جِهَادِهِ لأَعْدَائِهِ بِسَيْفِهِ ـ : رَجَعْنَا مِنَ الجِهَاد ِالأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ ، وَمَا رَمَزَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ ..... إِذْ كَانَتْ مُجَاهَدَتُهُ لأَعْدَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ بِالسَّيْفِ ظَاهِرةً بَادِيةً ، وَمُجَاهَدَتُهُ للنَّفْسِ الغَضَبِيّةِ الشّهْوانيّةِ بَاطِنةً خَفِيّةً كَامِنةً ...... فَقَدْ بَانَ بِهَذَا البُرْهَانِ أَنَّ العَدَاوةَ بَيْنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ مَوْجُوْدةٌ قَائِمةٌ ، ظَاهِرةٌ وَبَاطِنَةٌ ، وَالجِهَادُ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللهِ ...... قَائِمٌ ظَاهِرٌ أَيْضاً وَبَاطِنٌ ....". 19

* * * *

وَفِي ص : 247 :

" لأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ، عَلَى حَدِّ تَعْبِيْرِ المَكْزُوْنِ : فَرَضَ الصَّلاةَ لِيُزِيْلَ بِهَا مَقْتَ الكبْر مِنْ رُؤوسِ المُتَكَبِّرِيْنَ فِي السُّجُوْدِ لَهُ ، وَالخُضُوْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ.. وَفَرَضَ الزّكَاةَ لِيُوَاسي الأَغْنِيَاءُ الفُقَرَاءَ ....وَفَرَضَ الصِّيَامَ اِمْتِحَاناً للنُّفُوْسِ بِالصّبْرِ عَنِ اللَّذّاتِ الحِسِّيّةِ ..... وَلِتَرِقّ بِهِ القُلُوبُ .... وَتَلِيْنَ قُلُوْبُ الأَغْنِيَاءِ للفُقَرَاءِ بِالآلامِ الدّاخِلَةِ عَلَى نُفُوْسِهِمْ مِنْ قِبلِ الجُوْعِ ... وَفَرَضَ الحَجَّ اِبْتِلاءً للنّفُوْسِ بِالطّاعَةِ فِي التّوَجّهِ إِلَى البَيْتِ المَوْضُوعِ بِبَكّة ، كَمَا اِبْتَلَى المَلائِكَةَ بِالسّجُوْدِ لِمثلِ المِثالِ المَضْروبِ مِنَ الحَمَأ المَسْنون ... ".

التَّنْبِيْـــهُ :

إِنَّ هَذِهِ الفِقْرَةَ لَيْسَتْ ( عَلَى حَدِّ تَعْبِيْرِ المَكْزُوْنِ ) كَمَا ظَنّ المُؤَلِّفُ ، وَإِنَّمَا اِقْتِبَاسٌ مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْ ذَلِكَ :

قَوْلُ السّيّدَةِ فَاطِمَة الزّهْراء :
" فَجَعَلَ اللهُ الإِيْمَانَ تَطْهِيْراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيْهاً لَكُمْ عَنِ الكبْرِ..". 20

وَقَوْلُ الإِمَامِ الرّضَا :
" إِنَّهَا إِقْرَارٌ بِالرّبُوْبةِ للهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَخَلْعِ الأَنْدَادِ ، وَقِيَامٌ بَيْنَ يَدَي الجَبّارِ جَلّ جَلالُهُ بِالذّلِّ وَالمَسْكَنَةِ ، وَالخُضُوعِ وَالاِعْتِرَافِ ...". 21

وَقَوْلُهُ : " أَنَّ عِلّةَ الزّكَاةِ مِنْ أَجْلِ قُوتِ الفُقَراءِ ، وَتَحْصِيْنِ أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ ". 22

وَقَوْلُ الإِمَامِ الصّادق :
" العِلّةُ فِي الصّيَامِ ، لِيَسْتَوِي بِهِ الفَقِيْرُ وَالغَنِيّ ، وَذَلِكَ لأَنّ الغَنِيَّ لَمْ يَكُنْ لِيجِدَ مَسّ الجُوْعِ ، فَيَرْحَمَ الفَقِيْرَ ....... فَأَرَادَ الله أَنْ يُسَوّيَ بَيْنَ خَلْقِهِ ، وَأَنْ يُذِيْقَ الغَنِيّ مَسّ الجُوْعِ وَالأَلَمِ ، لِيَرِقّ عَلَى الضّعِيْفِ وَيَرْحَمَ الجَائِع ..". 23

وَقَوْلُ الإِمَامِ الرّضَا :
" إِنّ اللهَ تَبَاركَ وَتَعَالَى ، قَالَ للمَلائِكَةِ : إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيْفةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيْهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَسْفِكُ الدّمَاءَ ، فَرَدّوا عَلَى اللهِ تَبَاركَ وَتَعَالَى هَذَا الجَوَابَ ، فَعَلِمُوا أَنّهُمْ أَذْنَبُوا ، فَنَدِمُوا فَلاذُوا بِالعَرْشِ ، فَاِسْتَغْفَرُوا ، فَأَحَبّ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَتَعَبّدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ العِبَادَ ، فَوَضَع فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ بَيْتاً بِحِذاءِ العَرْشِ يُسَمّى الضّراح ، ثُمَّ وَضَعَ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا بَيْتاً يُسَمّى البَيْتَ المَعْمُوْرَ بِحِذَاءِ الضّراح، ثُمّ وَضَعَ هَذا البَيْتَ بِحِذاءِ البَيْتِ المَعْمُور ، ثُمّ أَمَرَ آدمَ فَطَافَ بِهِ ، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِ ، وَجَرَى ذَلِكَ فِي وَلَدِهِ إِلَى يَوم القِيَامَةِ ....". 24

* * * *

وَفِي ص 152:

" لِذَلِكَ يَضَعُ المَكْزُوْنُ مَنْهَجَ الجِهَادِ البَاطِنِ ... وَيُكَرِّرُ الحَدِيْثَ عَنْهُ ...لأَنّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الاِجْتِهَادَ فِي اِتِّبَاعِ مَا أَوْضَحَهُ مِنْ مَنَاهِجِ العِبَادَةِ يَرْقَى بِمُتَّبِعِهِ مِنْ ظَاهِرِهَا إِلَى بَاطِنِهَا .......".

وَفِي ص : 251 :

" عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِ المَكْزُون : وَلَنْ تُقْبَلَ المُحَافَظَةُ عَلَى صُوَرِ العِبَادَاتِ الظّاهِرَةِ .. دُونَ الغَوْصِ عَلَى مَعَانِيْهَا ، وَالتّدَبّر لِمَا أُوْدِعَ مِنَ الأَسْرَارِ الإِلَهِيّةِ فِيْهَا ".

التَّنْبِيْـــهُ :

كَانَ الأَوْلَى أَنْ يُنَبِّهَ المُؤَلّفُ عَلَى اِقْتِبَاسِ المَكْزونِ مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الإِمَام الصّادق :
" إِنَّ قَوْماً آمَنُوا بِالظَّاهِرِ ، وَكَفَرُوا بِالبَاطِنِ ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ شَيءٌ ، وَجَاءَ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَآمَنُوا بِالبَاطِنِ ، وَكَفَرُوا بِالظَّاهِرِ ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ شَيْئاً ، وَلا إِيْمَانَ بِظَاهِرٍ إِلاَّ بِبَاطِنٍ ، وَلا بِبَاطِنٍ ، إِلا َّبِظَاهِرٍ " . 25

وَمِنْهُ مَا فِي الرّسَالةِ الجَامِعة :
" كَذَلِكَ العُلُومُ إِذَا عَرَفَ الإِنْسَانُ ظَوَاهِرَهَا ، وَتَخَلَّى عَنْ مَعْرِفَةِ بَوَاطِنِهَا وَحَقَائِقِهَا ، وَمَعَانِي إِشَارَاتِهَا، وَمَرَامِي مَرْموزاتِها ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَا لا يَنْفَعُهُ... .". 26

وَمِنْهَا : " أَنَّ البَارِي جَلَّ وَعَزَّ ، جَعَلَ الأُمُوْرَ الجِسْمَانِيَّةَ المَحْسُوْسَةَ كُلّهَا مِثَالات وَدَلالاتٍ عَلَى الأُمُوْرِ الرُّوْحَانِيَّةِ العَقْلِيَّةِ ، وَجَعَلَ طَرِيْقَ الحَوَاسِّ درجاً وَمَرَاقِيَ ، يُرْتَقَى بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ الأُمُوْرِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي هِيَ الغَرَضُ الأَقْصَى فِي بُلُوْغِ النّفْسِ إِلَيْهَا ..... ". 27

* * * *

وَفِي ص : 255:

" وَللمَكْزُوْنِ فِي بِدَايَةِ إِبْلِيس نَظَرِيّةٌ خَطِيْرةٌ ، فَإِبْلِيْسُ عِنْدَ المَكْزُوْنِ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ ، وَلَكِنّهُ مِنْ نَارِ أنَفَةِ النّفُوْسِ ، إِنّهُ رَشَحَ مِنَ النّفُوْسِ تَجْسِيْداً لاِعْتِرَاضِهَا عَلَى خَالِقِهَا .......".

التَّنْبِيْـــهُ :

إِنَّ القَوْلَ : لَيْسَ إِبْلِيْس مِنَ المَلائِكَةِ ، مَشْهُورٌ فِي كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الإِمَامِ الصّادق : " لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ يَلِي شَيْئاً مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ ...... .". 28

* * * *

وَفِي ص 326 :

" وَالعَالَمُ الصّغِيْرُ ، هُوَ عَالَمُ الحِسِّ ، وَالعَالَمُ الكَبِيْر ، هُوَ عَالَمُ المَلَكُوْتِ وَالغَيْبِ عِنْدَ الغَزَاليّ ، وَهَذَا لا يَمْنَعُ أَنَّ المَكْزُوْنَ اِسْتَعْمَلَ تَسْمِيات الغَزَاليّ ، فِي أَمْكِنَةٍ أُخْرَى ..... وَلأنّ آدم عَلَى حَدّ تَعْبِيْر الغَزَالِيّ صُورةٌ مُخْتَصَرةٌ لِجَمِيْعِ أَصْنَافِ مَا فِي العَالَمِ ........ ".

التَّنْبِيْـــهُ :

إِنَّ اِسْتِعْمَالَ عِبَارات ( عَالَم صَغِيْر ، وَعَالَم كَبِيْر ) ، كَانَ قَبْلَ الغَزَالِيّ وَالمَكْزُون ، فَلا وَجْهَ لاِسْتِعَارةِ أَحَدِهِمَا مِنَ الآخر ، فَكِلاهُمَا مُسْتَعِيْران مِمّنْ تَقَدّمَ ، وَعِبَارةُ ( صُورةٌ مُخْتَصَرةٌ ) لَيْسَتْ عَلَى حَدّ تَعْبِيْرِ الغَزَاليّ ، فَهِيَ مَشْهُورةٌ قَبْلَهُ ، وَمِنْ ذَلِك فِي وَصْفِ الإِنْسَان :
" فِي مَعْنَى قَوْلِ الحُكَماءِ : إِنّ الإِنْسَانَ عَالَمٌ صَغِيْرٌ ، وَإِنّهُ فِي مَعْنَى العَالَمِ الكَبِيْرِ ، يُؤَدّي عَنْ جُمْلَتِهِ ....". 29

وَمِنْهَا : " وَيُقَالُ : إِنّهُ مُخْتَصرٌ مِنَ اللّوْحِ المَحْفُوْظ وَقَدْ ضَربتْ الحُكَمَاءُ لِذَلِكَ أَمْثَالاً كَثِيْرةً .. ..". 30

* * * *

وَفِي ص 332 :

" المَكْزُونُ فِي تَصَوُّرِهِ يَبْدَأُ مِنَ الأَعْلَى ، مِنَ الأَزَلِ ، مِنَ المَعْنَى أَوِ البَارِي أَو الحَقّ الأَوّلِ ، وَيُرِيْنَا كَيْفَ رَتّبَ المُرَتِّبُ مَخْلُوقَاته ، الّتِي صَارَتْ أَرْباباً بِأَمْرِهِ لِمَنْ دُوْنَهَا ، عَلَى حَدّ تَعْبِيْرِ الغَزَالِيّ .

أَصْلُ المَعْرِفَةِ الحَقِيْقِيّةِ : شَجَرةٌ ذَاتُ أَصْلٍ ثَابِتٍ .... فَأَصْلُهَا الأَزَلُ ، وَفَرْعُهَا الأَبَد ، وَثَمَرُهَا السّرْمَد .

وَهَذِهِ الرّتَبُ الثّلاث ، هِيَ : الّتِي عَبّرَ عَنْهَا أَهْلُ التّوْحِيْدِ : بِالمَعْنَى ، وَالاِسْم أَوِ الحِجَابِ ، وَالبَابِ ....".

وَفِي ذَيل الصّفْحة 333 :

" بَدَأَتْ فِكْرةُ أَحْسَنِ الخَالِقِيْنَ تَتَّضِحُ أَكْثَرَ ، فَأَحْسَنُ الخَالِقِيْنَ ، فَوّضَهَا الخَلْقَ بِأَمْرِهِ ...... المَقَامَاتُ الخَمْس ، هِيَ : النّقَباء ، النّجَباء، المُخْتَصّون ، المُخْلِصُون ، وَالمُمْتَحَنُون .".

التَّنْبِيْـــهُ :

ذَهَبَ المُؤَلّفُ إِلَى القَوْلِ : إِنّ مَصَادِرَ أَسْمَاءِ المَرَاتِبِ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيْم ، فَكَتَبَ فِي ذَيْلِ الصّفْحَةِ 240:

" لاحِظْ أَسْمَاءَ المَرَاتِبِ ، فِي القُرْآنِ الكَرِيْمِ ".

أَقُولُ : أَوَجَدَ المُؤَلّفُ فِي القُرْآنِ الكرِيْم كَلِمَةَ ( النّجَبَاء ) ، الّتِي عُدّتْ رُتْبةً فَإِنّي لَمْ أَجِدْهَا ، لَعَلّهُ يَدُلّنِي عَلَيْهَا ، فَأَنْظُر .

فَإِنّ الأَقْرَبَ : أَنّ المَكْزون اِقْتَبسَ مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الإِمَامِ البَاقِر :
" يَا جَابِرُ ، أَوَ تَدْري مَا المَعْرِفَةُ ؟.
المَعْرِفَةُ : إِثْبَاتُ التّوْحِيْدِ أَوّلاً ، ثُمّ مَعْرِفَةُ المَعانِي ثَانِياً ، ثُمّ مَعْرِفَةُ الأَبْوَابِ ثَالِثاً ثُمّ مَعْرِفَةُ الإِمَام رَابِعاً ، ثُمّ مَعْرِفَةُ الأَرْكَانِ خَامِساً ، ثُمّ مَعْرِفَةُ النّقَباء سَادِساً ، ثُمّ مَعْرِفَةُ النّجَباءِ سَابِعاً ......
وَأَمّا المَعَانِي ، فَنَحْنُ مَعَانِيه وَمَظَاهِرُهُ فِيْكُم ، اِخْتَرَعَنَا مِنْ نُوْرِ ذَاتِهِ ، وَفَوّضَ إِلَيْنَا أُمُوْرَ عِبَادِهِ ، فَنَحْنُ نَفْعَلُ بِإِذْنِهِ مَا نَشَاءُ .......". 31

وَيُؤَيِّدُهُ اِسْتِعْمَالُ المَكْزون ( الشّجَرَة ، وَالأَصْلَ ، وَالفَرْعَ ، وَالثّمَرَ ، وَالحِجَاب ، وَالبَابَ ) ، فَالأَقْرَبُ أَنَّهَا اِقْتِبَاسٌ مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْهُ :
" .... سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ ( ع ) عَنْ قَوْلِ اللهِ : {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَاءِ}، قَالَ : رَسُوْلُ اللهِ ( ص ) : أَصْلُهَا ، وَأَمِيْرُ المُؤمِنِيْنَ ( ع ) : فَرْعُهَا ، وَالأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا : أَغْصَانُهَا ، وَعِلْمُ الأَئِمَّةِ : ثَمَرَتُهَا ، وَشِيْعَتُهُمُ المُؤمِنُونَ : وَرَقُهَا .....". 32

وَقَوْلُ أَمِيْرِ المُؤمِنِيْنَ فِي وَصْفِ رَسُولِ اللهِ :
" وَشَجَرَتُهُ خيْرُ الشّجَرِ ، نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ ، وَبَسَقَتْ فِي كَرمٍ ، لَهَا فُرُوعٌ طِوالٌ ، وَثَمَرٌ لا يُنَالُ ....". 33

وَمِنْهُ : " .... سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَر ( ع ) يَقُوْلُ : بِنَا عُبِدَ اللهِ ، وَبِنَا عُرِفَ اللهُ ، وَبِنَا وُحِّدَ اللهُ ، وَمُحَمّدُ حِجَابُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ". 34

وَمِنْهُ : " .... قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ ( ع ) : الأَوْصِيَاءُ هُمْ أَبْوَابُ اللهِ عَزّ وَجَلّ الّتِي يُؤْتَى مِنْهَا ......". 35

وَمِنْهُ : " .... وَمَنِ ادّعَى سَمَاعاً مِنْ غَيْرِ البَابِ الَّذِي فَتَحَهُ اللهُ ، فَهُوَ مُشْرِكٌ وَذَلِكَ البَاب المَأْمونُ عَلَى سِرّ اللهِ المَكْنُون .". 36

وَالشّاهِدُ الّذِي نَقَلَهُ المُؤَلّفُ فِي ص : 333 :

" كَذَلِكَ تَظْهَرُ طَبِيْعَةُ المَعْرِفَةِ ، وَمَصْدَرُهَا ، عِنْدَ المَكْزُون .... فَالمَعْرِفَةُ هِيَ الوُجُودُ ، أَوْ تلي الوُجُود ، لِذَلِكَ بَدَأَ النّصَّ بِقَوْلِهِ : (( أَصْلُ المَعْرِفَةِ .. شَجَرةٌ ..)) ، وَخَتَمَهُ بِقَوْلِهِ : (( تَكَوَّنَتْ سَائِرُ المَوْجُودات )) .".

دَلِيْلٌ عَلَى اِقْتِبَاسِ المَكْزون مِنْ كَلامِ أَهْلِ البَيْتِ ، وَمِنْهُ :
" ... بِنَا أَثْمَرَتِ الأَشْجَارُ ، وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ ، وَجَرَتِ الأَنْهَارُ ، وَبِنَا يُنَزَّلُ غَيْثُ السّمَاءِ ، وَيَنْبُتُ عُشْبُ الأَرْضِ ...... ". 37

* * * *

وَهَذَا مَا تَيَسّرَ بِحَمْدِ اللهِ ، وَالصّلاةُ عَلَى سَيّدِنَا مُحَمّدٍ وَآلِهِ .

الفقير إلى عَفو مولاه
تَمّام أَحمد .

كُتِبَ لِثَلاثِ لَيَالٍ خَلَونَ مِنْ شَهْرِ شَوّال
سَنَة تِسْع وَعِشرين وَأَرْبَعِمِئَةٍ وَألف .

  1. 1. التّمْحِيْص ، ص : 420 ، دار الكوثر ، دمشق ، 2003 ، وفِي بحار الأنوار ، لمُحمّد باقر المَجْلسيّ ، مج : 26 ، ص : 534 ، تح : الشيخ محمود درياب ، دار التعارف ، بيروت ، 2001 .
  2. 2. النساء : 135.
  3. 3. صـ : 26.
  4. 4. النجم : 3 .
  5. 5. النّجم 23 .
  6. 6. النّحل : 123 .
  7. 7. المائدة : 48.
  8. 8. ج: 1 ، ص :57 .
  9. 9. ج: 1 ، ص :98 .
  10. 10. بحار الأنوار ، مج : 10 ، ص : 92 .
  11. 11. رَوضة الكافي ، مج : 8 ، ص : 47 ، تح : محمّد جعفر شمس الدين ، دار التعارف ، بيروت ، 1997 .
  12. 12. الرسالة الجامعة ، للإمام أحمد ابن عبد الله ابن محمّد اِبن إسماعيل اِبن جعفر الصادق ، تح : د مصطفى غالب ، ص : 466 ، دار الأندلس ، بيروت ، 1984 .
  13. 13. الرسالة الجامعة ، للإمام أحمد ابن عبد الله ابن محمّد اِبن إسماعيل اِبن جعفر الصادق ، تح : د مصطفى غالب ، ص : 466 ، دار الأندلس ، بيروت ، 1984 .
  14. 14. مسند الإمام عليّ ابن أبي طالب ، ج : 7 ، ص : 51 ، إعداد السيّد عليّ عاشور ، دار نظير عبّود ، بيروت ، ط 1 2007 .
  15. 15. سُورة الشّمس .
  16. 16. سُورة آل عِمْران ( 28 ) .
  17. 17. بحار الأنوار ، مج : 30 ، ص : 84 .
  18. 18. بحار الأنوار ، مج : 26 ، ص: 113 .
  19. 19. الرّسالة الجامعة ، ص : 211 .
  20. 20. أعيان الشِّيعة، للسيد محسن الأمين ،مج : 1 ، ص : 461 ، تح : السيد حسن الأمين ، دار التعارف ، ط5 ، ص : 1998 .
  21. 21. علل الشّرائع ، لابن بابويه القمّي ، ج : 2 ، ص : 11 ، مؤسّسة الأعلمي ،ط 1 ، 1988 .
  22. 22. علل الشّرائع ، ج : 2 ، ص :68 .
  23. 23. علل الشّرائع ، ج : 2 ، ص :79 .
  24. 24. علل الشّرائع ، ج : 2 ، ص : 109 ـ 110 .
  25. 25. بِحَار الأَنْوَار ، مج : 10 ، ص : 596 .
  26. 26. الرسالة الجامعة ، ص: 109 .
  27. 27. الرسالة الجامعة ، ص : 380 .
  28. 28. بحار الأنوار ، مج : 24 ، ص : 370 .
  29. 29. الرسالة الجامعة ، ص: 255.
  30. 30. رسائل إخوان الصّفاء ، مج : 2 ، ص : 460 ، دار صادر ، 1999 .
  31. 31. بحار الأنوار ، مج : 11 ، ص: 249 .
  32. 32. أصول الكافي ، ج : 1 ، ص : 497.
  33. 33. مسند الإمام عليّ ابن أبي طالب ، ج : 10 ، ص: 101 .
  34. 34. أصول الكافي ، ج : 1 ، ص : 194 .
  35. 35. أصول الكافي ، ج : 1 ، ص : 249 .
  36. 36. أصول الكافي ، ج : 1 ، ص : 439 .
  37. 37. أصول الكافي ، ج : 1 ، ص : 192 .

أوهام المؤلفين في أحوال العلويين

هذه الرسالة أُرسلت إلى الدكتور بعد كتابتها أي منذ حوالي السنتين ولكنه لم يرد عليها!
كما أنني نشرتها في الأنترنيت في عدة مواقع.
وقد أتى الشيخ تمّام أحمد -عفى الله عنه- على تفصيل وتوضيح الكثير من الأمور بما يخص مؤلفات الدكتور في معرض ردّه على مؤلفات عديدة لمؤلفين كثر وذلك في كتابه المطبوع منذ حوالي الثلاثة أسابيع تحت عنوان (أوهام المؤلفين في أحوال العلويين) وأقتطف شيئاً بسيطاً منه لتعريف القارئ بغرض هذا الكتاب النفيس -وهو قيد التوزيع- : (أبو اسكندر)

بِسْمِ اللهِ الرّحْمن الرّحِيْم .
مُقَدِّمَةُ الكِتَاب .*

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالصّلاةُ وَالسّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطّاهِرِيْن .
أَمّا بَعْدُ** :

فَهَذَا كِتَابُ أَوْهَام المُؤَلّفِيْن فِي أَحْوَالِ العَلَوِيِّيْن، بَيْنَ يَدَيْكَ، فَإِنْ قَبِلْتَهُ حَمِدْتُ اللهَ وَشَكَرْتُكَ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْهُ حَمِدْتُ اللهَ وَعَذَرْتُكَ.
فَإِنَّ فِي قَبُولِهِ حَاجَةً أَرْجُو قَضَاءهَا.
(( دَخَل مُحَمّد بن وَاسع عَلَى قُتيبة بن مُسْلم، فَقَال لَهُ : أَتَيْتُكَ فِي حَاجَةٍ رَفَعْتُهَا إِلَى اللهِ قَبْلَكَ، فَإِنْ تَقْضِهَا حَمِدْنَا اللهَ وَشَكَرْنَاكَ، وَإِنْ لَمْ تَقْضِهَا حَمِدْنَا اللهَ وَعَذَرْنَاكَ . فَأَمَرَ لَهُ بِحَاجَتِهِ .))

وَهَذَا مَا جِئْتُ بِهِ، فَإِنْ أَتَيْتُ بِصَوَابٍ، فَمِنْ فَضْلِ مَنْ سَبَقَ مِنَ المُحَقِّقِيْنَ، وَإِنْ زَلَلْتُ فِي رَأْيٍ، فَمِنْ قِلّةِ اطِّلاعِي عَلَى أُصُولِ التّأْلِيْفِ وَالتّحْقِيْق ، وَكَيْفَ لِمِثْلِي - بَعْدَ اجْتِهَادِ المُتَقَدِّمِيْنَ وَاسْتِقْصَاءِ المُحَقِّقِيْنَ - أَنْ يَخْتَصَّ بِشَيءٍ لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَأَنّى لِي ادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ مَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، أَوْ بُلُوغِ عِلْمٍ لَمْ يَبْلُغُوهُ .

عَلَى أَنَّنِي - بَعْدَ الاِسْتِفَادَةِ مِنْ كُتُبِ السّابِقِيْنَ الّتِي تَيَسّرَتْ لِي قِرَاءتُهَا، وَالاطِّلاعِ عَلَى بَعْضِ كُتُبِ المُعَاصِرِيْنَ - وَاجِدٌ فِي بَعْضِ مَا أُلِّفَ فِي أَحْوَالِ المُسْلِمِيْنَ العَلَوِيِّيْنَ، مُؤَلّفَاتٍ أُسِّسَتْ عَلَى ظُنُوْنٍ فِي التّعَرُّفِ إِلَى عُلَمَائِهِم وَكُتُبًا بُنِيَتْ عَلَى أَوْهَامٍ فِي مَعْرِفَةِ مَذْهَبِهِم، وَفِي أَطْوَائِهَا مِنَ الأَخْطَاءِ مَا لا يَصِحّ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهِ، وَفِي مَضَامِيْنِهَا مِنَ الآرَاءِ مَا لا يَنُوبُ إِلاَّ عَمَّنْ يَرْضَاهُ، مَعَ أَنّنِي لا أَدَّعِي النِّيَابَةَ عَنْ أَحَدٍ فِيْمَا أَقُولُ، وَإِنّمَا أُنَبِّهُ عَلَى شَيءٍ لا أَرْضَاهُ، فَمَنْ رَاقَهُ، شَارَكْتُهُ فِي هَذَا الكِتَابِ، لأَنّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، وَمَنْ رَدَّهُ، سَأَلْتُهُ الإِنْصَافَ، فَإِمّا قَبُولاً للمَسْأَلَةِ وَإِمّا إِنْصَافًا للأَدَبِ.

وَمَا أَنَا بَعْدَ السّابِقِيْنَ ـ إِنِ اسْتَدْرَكْتُ ـ بِمُدّعٍ شَيْئاً مِنَ العِلْمِ، وَلا مُزَكّيًّا نَفْسِي بِمَدْحٍ، وَلا وَاصِفًا عَمَلِي بِالنّفِيسِ الجَيِّدِ، ... إلخ

* * *

وأزود القارئ بالمزيد من المقتطفات ليأخذ فكرة أوسع عن هذا الكتاب ولا شيء يُغني عن قراءته كله:

فَمِنَ الكُتُبِ الّتِي تَعَدَّى أَصْحَابُهَا حُدُوْدَ الأَدَبِ، فَأَغَارُوا عَلَى كُتُبِ غَيْرِهِم، وَسَرَقُوهَا كُلَّهَا، أَوْ بَعْضَهَا، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَى النّاسِ مُؤَلِّفِيْنَ، كُتُبٌ يَعُدُّهَا بَعْضُهُم فِي أُصُولِ الدّيْنِ عِنْدَ العَلَوِيّيْنَ، وَأَوّلُ عَيْبٍ فِيْهَا مُخَالَفَتُهَا لأَمْرِ الإِمَامِ الّذِي يَدّعِي أَصْحَابُهَا وَلايَتَهُ، فِي تَأْدِيَة الأَمَانَاتِ، وَمِنْهَا: ...

* * *

... وَعَلَى مَا تَرَى مِنَ الوَهْمِ فِي التّأْلِيْفِ وَالنّسْبَةِ، أُلِّفَتْ كُتُبٌ، وَنُسِبَتْ مُؤَلَّفَاتٌ، كُشِفَ عَنْ بَعْضِهَا، وَلَمْ يَزَلْ بَعْضُهَا بِمَنْجَاةٍ مِنَ التّحْقِيْقِ وَالكَشْف. وَمِنْ ذَلِكَ، مَا نُسِبَ إِلَى المُسْلِمِيْنَ العَلَوِيّيْنَ مِنْ كُتُبٍ لَوْ عُرِضَتْ عَلَى أُصُولِ التّحْقِيْق لَمَا ثَبَتَتْ، وَمَا عُزِيَ إِلَيْهِم مِنْ مُؤَلّفَاتٍ لَمْ تُحَقَّقْ، وَمَا تَوَهّمَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّفِيْنَ مِمّنْ يُعَدُّ مِنْهُم، إِذْ سَرَقَ فَكَتَبَ فصَارَ بَعْدَ حِيْنٍ مُؤَلّفاً يَنُوبُ عَنْ طَائِفَةٍ، وَمَرْجِعًا يَقُومُ مَقَامَ فِئَةٍ وَهُوَ مِنْ مُخَالِفِي أَهْلِ البَيْتِ ع فِي إِسْنَادِ الحَدِيْثِ وَنِسْبَةِ الفَضْلِ إِلَى أَهْلِهِ، وَلَوْ فَعَلَ لَمَا خَفِيَتْ مَكِيْدَةٌ وَلا عُمِّيَتْ حِيْلَةٌ، وَلَمَا أُشِيْرَ إِلَى السّارِقِ وَأُغْفِلَ المَسْرُوقُ مِنْهُ . عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ الكُتُبِ الّتِي زَعَمَ أَصْحَابُها أَنّهَا أُلِّفَتْ فِي تَارِيْخِ العَلَوِيّيْنَ وَأَحْوَالِهِم، عَلَى مِثَالِ مَا تَقَدَّمَ، مِنَ الخَلْطِ وَالوَهْمِ وَتَعَدِّي حُدُوْدِ التّأْلِيْفِ وَإِهْمَالِ الإِسْنَادِ، وَتَضْيِيْعِ حُقُوقِ المُؤَلّفِيْن ...

... وَسَيَظْهَرُ لَكَ أَنَّ أَكْثَرَنا يَظُنُّ أَنّهُ يَقْرَأُ كَلام المُؤَلّفِ الّذِي كُتِبَ اسْمُهُ عَلَى جِلْد الكِتَابِ، حَتّى تَمَلَّ كَلِمَة (( مَسْبوق )).

* * *

... أَقُولُ : إِنَّ الغَرَضَ مِنْ هَذا السَّرْدِ، تَذْكِيْرُ بَعْضِهِم بِوُقُوعِ الأَخْطَاءِ فِي نِسْبَةِ المُؤَلَّفَاتِ، لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى تَأْيِيْدِ التّوْهِيْمِ فِي بَعْضِ مَا نُسِبَ إِلَى المُسْلِمِيْنَ العَلَوِيّيْنَ، لأَنّ أَكْثَرَهُ مُؤَسّسٌ عَلَى أَوْهَامٍ وَظُنُوْنٍ . وَمِنْهُ مَا أَخْرَجَهُ بَعْضُ المُؤَلِّفِيْنَ، وَحَازَوا بِإِخْرَاجِهِ إِجَازَاتٍ وَشَهَادَاتٍ، وَصُوِّرَ بِصُوْرَةِ الكِتَابِ المُحَقَّقِ المَوْثُوقِ بِهِ، الّذِي رَاعَى مُحَقِّقُهُ قَوَاعِدَ التّحْقِيْقِ، وَبَذَلَ الوُسْعَ فِي تَنْقِيْحِهِ وَتَهْذِيْبِهِ، وَهُوَ بِخِلافِ ذَلِك . ثُمَّ كَانَ مِنْ مَسَاوِئِهِ اعْتِمَادُ بَعْضِ الكُتّابِ عَلَيْهِ، وَرُجُوعُ بَعْضِ النّقّادِ إِلَيْهِ، ...

* * *

... فَكَذَلِكَ ظَنَّ بَعْضُهُم أَنّهُ وَجَدَ كِتَاباً للمَكْزُونِ، وَدِيْواناً للمُنْتَجَب، ثُمّ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ بَعْض المُؤَلّفِيْن، فَكَانَ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ . وَلا عَجَبَ مِنْ وَهْمٍ فِي التّأْلِيْفِ يَنْشَأُ مِنْ سَهْوِ مُؤَلّفٍ أَوْ زَلَّةِ نَاسِخٍ، وَلَكِنَّ العَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ طَائِفَةٌ بِجَرِيْرَةِ قَلَمٍ سَهَا الكَاتِبُ بِهِ، أَوْ بِذَنْبِ مُؤَلِّفٍ يَقُوْدهُ الهَوَى . فَمِنْ أَمْثِلَةِ المَنْسُوبِ بِلا تَحَقُّقٍ، كِتَاب مَعْرِفَة اللهِ وَالمَكْزون السّنْجاري الّذِي شَاعَ أَنّهُ نَشْرٌ لِرِسَالَةٍ مَخْطُوْطَةٍ فَازَ مَنْ نَشَرَهَا بِإِظْهَارِ مَا فِيْهَا مِنَ التّصَوّفِ وَالفَلسفَة، وَالّذِي نَمِيْلُ إِلَيْهِ أَنّهَا مَخْطُوْطَةٌ لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهَا، وَإِنَّمَا كَتَبَ أَحَدُهُم فِي صَفْحَةٍ مِنْهَا اسْمَ المَكْزون، أَوْ عِبَارَة : تَزْكِيَة النّفْس أَوْ أَرَادَ نِسْبَة كِتَاب إِلَى المَكْزون، فَذَكَرَ اسْمَهُ، فَظَنَّ بَعْضُهُم أَنّهَا لَهُ، كَمَا وَقَعَ فِي الرّسَالَتَين اللّتَين نُسِبَتَا إِلَى صَدر الدين الأدمي؛ وَهُمَا لِصفي الدّين الحليّ، وَذَلِكَ بِعَبَثِ قَلَمٍ كَانَ سَبَبَ اخْتِلالِ ذِهْنٍ، وَلَوْلا التّنْبِيْهُ عَلَيْه لأَفْسَدَ عُقُولاً وَتَرَكَ مِنَ التّخْلِيْطِ مَا يَجْعَلُ الثّقَافة اعْوِجاجًا، ...

* * *

... لَعَلَّ تَصْحِيْحَ نِسْبَةِ الكُتُبِ إِلَى غَيْرِ مُؤَلِّفِيْهَا، يُصَحِّحُ مَا اسْتَفَادَتْهُ بَعْضُ العُقُولِ مِنَ الأَخْطَاءِ، وَيُزِيْلُ غَشَاوَةَ الأَوْهَامِ عَنْ أَبْصَارِ مَنْ بَنوا عِلْمَهُم عَلَى خَطَأٍ فِي نِسْبَةٍ وَسَهْوٍ فِي عَزْوٍ، فَقَدْ دَخَلَ الخَلْطُ فِي أَكْثَرِ الكُتُبِ، وَنَمَا الوَهْمُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الحَقَائِقِ، وَأَكْثَرُنَا فِي مَدْحٍ عَلَى ظُنُوْنٍ، وَثَنَاءٍ عَلَى أَوْهَامٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذِهِ الأَوْهَامِ الّتِي نَفَذَتْ إِلَى وَضْعِ الشّيءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ،...

* * *

...إِنَّ للتّأْلِيْفِ شُرُوْطاً ، أَصْعَبُهَا وَأَعْظَمُهَا : التَّحَقُّقُ وَالتَّبَيُّنُ ، فَمَنْ قَصَرَ عَنِ التَّحَقُّقِ ؛ وَهَنَ كِتَابُهُ ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ التَّبَيُّنِ ؛ زَلَّ فِي قَوْلِهِ . وَمَنْ ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَى خَطَأٍ ، بَطَلَ اسْتِدْلالُهُ ، وَمَنْ أَسَاءَ عَزْوَ العِلْمِ إِلَى قَائِلِهِ ، فَقَدْ أَسَاءَ الاِحْتِجَاجَ ....

* * *

...أَكُلَّمَا وَجَدَ رَجُلٌ وَرَقَةً فِيْهَا شَيءٌ مِنِ اصْطِلاحِ الصّوفِيّةِ، نَسَبَهَا إِلَى العَلَوِيِّيْنَ ، ثُمَّ أَلَّفَ عَلَى نِسْبَتِهَا إِلَيْهِم كِتَاباً فِي تَوْحِيْدِهِم ...

...وَلَمَّا كَانَتِ الحَالُ عَلَى مَا تَرَى مِنَ القُصُوْرِ فِي التَّأْلِيْفِ وَالاِضْطِرَابِ فِي القَوْلِ ، فَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى هَذِهِ الفَوْضَى ، لِتَعْرِفَ أَنَّ كُلَّ كِتَابٍ يُنْسَبُ إِلَى العَلَوِيِّيْنَ وَفِي مَضْمُوْنِهِ مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ ، وَسُنَّةَ رَسُوْلِ اللهِ ، تَخَرُّصٌ وَاخْتِلاقٌ ، وَافْتِعَالٌ وَافْتِرَاء ...

* * *

إقرأ أيضاً للمؤلف