الهوية والانتماء في فكر العلّامة الشيخ سليمان الأحمد
كلمة الأستاذ ربيع سليمان باسم تجمّع «ن والقلم»
بمناسبة الذكرى الرابعة والثمانين لرحيل العلّامة الشيخ سليمان الأحمد، تنشر المكتبة الإسلامية العلوية التسجيل المرئي والنص الكامل لكلمة الأستاذ ربيع سليمان، التي ألقاها باسم تجمّع «ن والقلم»، خلال احتفالية «الهوية والانتماء في فكر العلّامة الشيخ سليمان الأحمد».
أُقيمت الاحتفالية برعاية المجلس الإسلامي العلوي، يوم الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦، في قاعة الإمام الحسن المجتبى (ع) – جبل محسن - لبنان.
تتناول الكلمة أبعاد الهوية العلوية ومعاني الإسلام والولاية والانتماء العربي، وتستعرض جوانب من فكر العلّامة في العلم وحرية العقل واتباع الحق، وما نستمدّه من إرثه في فهم الانتماء وحمل مسؤوليته.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيها السادة الحضور الذين يفوح منهم الطيب والبخور، سلام الله عليكم من العزيز الغفور.
السلام على قلوبكم النقية، ووجوهكم الندية، وعقولكم السوية، وأرواحكم الصفية، وحلتكم البهية.
وأهلًا وسهلًا بكم في ذكرى صاحب النفس العلية.
للعام التالي على التوالي، يتشرف العلويون في لبنان، وفي جبل محسن تحديدًا، وتحت رعاية كريمة من المجلس الإسلامي العلوي، وبحضور سماحة رئيس المجلس، بإحياء ذكرى أحد عظماء الطائفة الإسلامية العلوية، حامل لواء الهوية الدينية وباعث النهضة، العلامة الأوحد الشيخ سليمان الأحمد، قدس سره.
في ذكرى انتقاله الرابعة والثمانين، نستحضر جهاد هذا القائد العظيم، الذي رابط مع كوكبة من فرسان الحق على ثغر من ثغور المسلمين، يذود عن حياض الدين ويصون حرمة المؤمنين.
نستحضره لأنه القدوة والنبراس، ونستلهم فكره وجهاده وحكمته في التأكيد على الهوية الدينية.
وما أشبه اليوم بالأمس!
هذه الهوية التي تتعرض اليوم إلى هجوم من جبهتين:
- جبهة خارجية:
قوامها أبواق التكفير وصناع الفتن، الذين يعتدون على مكونات الأمة الإسلامية لإضعافها، ويركزون هجمتهم البربرية على هذا المذهب الشريف، لأسباب أكثرها سياسية وانتقامية.
- وهجمة داخلية:
قوامها المارقون والمشككون والجهلاء والدخلاء، الذين ينتمون زورًا إلى هذا المذهب الشريف.
وكلاهما ربما يشتغلان لصالح جهة واحدة، تهدف إلى تمزيق الأمة وتخريب القيم والاعتداء على الهوية الدينية، بالاعتماد على بث الأكاذيب، وتشويه المعتقدات، ودس المخربين، وتزوير الحقائق.
وإننا، في سياق الدفاع عن الهوية الدينية، نؤكد على الثوابت التالية:
- أولًا: نحن لسنا متهمين حتى نقدم دليل براءة.
- ثانيًا: نحن ليس لدينا عقدة نقص في الانتماء، ونطلب من أحد أن يتممها لنا.
- ثالثًا: نحن لسنا في شك مما نحن فيه وعليه، حتى نسمح لأحد أن يتبرع بتقديم سبل الهداية.
- رابعًا: نحن أصلًا لا نرى من هو حاله أحسن من حالنا حتى يمارس علينا دور الوصاية، أو يعطينا صك براءة أو شهادة انتماء. فنحن العلويون مقتنعون وراضون وواثقون ومطمئنون بما نحن عليه من صحة الانتماء والعقيدة.
ونحن إذ نرد، ونؤكد على الهوية الدينية وعلى ثوابت الانتماء، فلسبب واحد فقط:
حتى لا يقال إن العلويين طُعنوا في هويتهم فسكتوا، واعتُدي عليهم فضعفوا.
فالعلوي الحقيقي لا يضعف ولا ينهزم ولا يقبل الضيم؛ وكلما اشتد عليه الظلم زاد بربه يقينًا، وبدينه وثوقًا.
فإلى كل المعتدين تكفيرًا وتشكيكًا بالهوية الدينية، الذين يقذفون حمم الاتهامات والأباطيل اعتداءً على المكوّن العلوي من فوق الأسوار...
وإلى كل المخربين والجهلاء الذين ينتسبون نسلًا إلى هذه البيئة العلوية، ولا يملكون القيمة أن ينتسبوا نهجًا إلى المذهب العلوي...
إلى هؤلاء الذين لا يملكون قيمة في الواقع، فيهربون إلى واقع الافتراض والوهم ليطرحوا أفكارهم الفاسدة، وسمومهم الحاقدة، وآراءهم الحائدة...
من اختلاف عن الإسلام، أو ارتباط بالديانات والمعتقدات الأخرى، ومن الهروب من الأصول العربية إلى جذور سريانية وكنعانية وفينيقية... وغيرها من الهرطقات والتخرصات.
إلى هذين الفريقين نقول:
إن الإسلام والولاية والعروبة هي الأبعاد الثلاثية لهوية العلويين، التي نشأ عليها وجودهم وسيستمر بها إن شاء الله، لا نقبل المساس بها لا ترغيبًا ولا ترهيبًا.
وهذا قرار عند العلويين الأحرار.
هكذا علمنا أئمتنا، وهذا هو النهج الذي أكد عليه ساداتنا وشيوخنا وعملوا على ترسيخه، وعلى رأسهم صاحب هذه الذكرى، العلامة الشيخ سليمان الأحمد.
الذي علمنا أن الإسلام عند العلويين ليس بيانات هوية، بل مكوّنات طوية.
والإسلام عند العلويين ليس تسمية أو منحة مكتسبة، بل هو فطرة نشأت عليها أرواحهم.
والإسلام عند العلويين ليس خيارًا اتخذوه، بل هو قرار اتخذته لهم إرادة السماء، مذ قال لهم ربهم: «ألست بربكم؟ قالوا: بلى».
والإسلام عند العلويين هو الفخر والشرف، والعلوي لا يقبل أن ينال أحد من شرفه.
علمنا هذا العلامة الجليل أن الله غاية، والإسلام هداية، ومحمد كفاية، وأن النجاة في الولاية.
علمنا أن العلوية سلوك وانتماء حتى يصح الولاء، وهي سمو في الروح وعلو في المعرفة، حتى بلوغ صفاء النفس واستعدادها لقبول الفيوضات الربانية.
علمنا أن العلوي حر، فلا يقيد نفسه بحروف النص، ولا يرهن عقله في تبعية الشخص، بل القصد عنده للمعنى، والتبعية دومًا للحق.
علمنا أن يكون العقل العلوي وعاءً يتسع بما وضع فيه علمًا، وعلمنا أن يكون قادرًا على فهم الحضارات والتيارات الفكرية والفلسفية، وكيف يتفاعل معها ويخضعها لقواعد الدين والعقل.
علمنا أن العلوي يقبل الحقائق الموجودة في الأديان والمذاهب كلها، وأن يكون قلب العلوي قادرًا على قبول الحق من جميع وجوهه ومصادره، لأن غاية العلوي الأسمى هي اتباع الحق والوصول إلى الحقيقة.
علمنا هذا المؤمن العظيم:
كيف نكون في اتباع محمد والاقتداء به: سنة.
وكيف نكون في ولاية علي واتباع نهجه: شيعة.
وكيف نكون في محبة الأديان والرسل: إبراهيميّين، وموسويّين، وعيسويّين...
وكل هذه التسميات هي إضافات لحقيقة واحدة لا تتبدل، ولا تبلغ بنا كمال الفخر وتمام العز...
أننا في حقيقتنا وجوهرنا: علويون.
هذه هي مدرسة العلامة الشيخ سليمان الأحمد التي علمنا، وهذا ما فهمنا عنه على مقدار عقلنا، وهذه هي شخصية وطوية العلويين.
هذه هي الأسس التي نستمدها من نهجه ومن إرشاده، حتى تثبت عندنا الهوية ويصح الانتماء.
هذا موضع عزنا وفخرنا واقتدائنا.
وإلهي، كفاني فخرًا أن أكون لك عبدًا، وكفاني عزًا أن تكون لي ربًا.
والحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الولاية، وأخرجنا بها من ظلمات الشك والغواية.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- 16 مشاهدة